الجزء الثالث: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي تأليف د. صالح بن عبدالله بن عبد الرحمن العبود 

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجزء الثالث: عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي تأليف د. صالح بن عبدالله بن عبد الرحمن العبود 

مُساهمة  أبو عائشة إسماعيل خيرى في الإثنين يناير 07, 2013 5:25 am

المخالفين لشريعة سيد المرسلين".
إلى قوله: "فإن لم يتب إلى الله من انتحل مذهبهما؛ وجب

هجره وعزله عن الولاية، إن كان ذا ولاية من إمامة أوغيرها؛ فإن صلاته غير صحيحة؛ لا لنفسه، ولا لغيره، فإن قال جاهل: أرى عبد الله توه يتكلم في هذا الأمر، فيعلم أنه إنما تبين لي الآن وجوب الجهاد في ذلك علي وعلى غيري؛ لقوله تعالى:     •   ( ) إلى أن قال:      ( ) "( ) اهـ.
ويبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما عليه أكثر البوادي عنزة وآل ظفير وأمثالهم من عدم إقرارهم بالبعث، وعدم اتباعهم كتاب الله، وأنهم يقولون: إن كتاب الله عند الحضر، وأنهم عايفينه ومتبعون ما أحدث أباؤهم مما يسمونه الحق، ويفضلونه على شريعة الله، وفيهم من نواقض الإسلام أكثر من المئة ناقض، كسب الشرع، أو سب الأذان إذا سمعوه، ومع ذلك؛ صرح من يدعي العلم وأنه من العلماء أنه لا يوجد في الجزيرة رجل واحد كافر( ).
وقد بين الشيخ غلط الكثير في ستة أصول عظيمة من أصول الدين بينها الله تعالى بيانا واضحا للعوام فوق ما يظنه الظانون؛ فقال ما خلاصته:
"أولا: إخلاص الدين لله، قد أظهر الشيطان لهم أن الإخلاص

تنقص للصالحين، وتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم.
ثانيا: أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق... ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وأن الأمر بالاجتماع لا يقوله إلا زنديق أو مجنون.
ثالثا: السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدا حبشيا... ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم؛ فكيف العمل به؟!
رابعا: بيان العلم والعلماء ومن تشبه بهم وليس منهم... ثم صار هذا أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل، وأما العلم الذي فرضه الله على الخلق ومدحه؛ لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، وصار من أنكره وعاداه وجد في التحذير عنه والنهي عنه هو الفقيه العالم.
خامسا: بيان الله للأولياء، وتفريقه بينهم وبين المشتبهين بهم من أعدائه المنافقين والفجار... ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم، وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع، إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسول  ومن اتبعه، فليس منهم، ولا بد من ترك الجهاد، فمن جاهد؛ فليس منهم، ولا بد من ترك الإيمان والتقوى، فمن تقيد بالإيمان والتقوى؛ فليس منهم.
سادسا: كشف شبهة الشيطان، وهي أن القرآن والسنة لا

يعرفهما إلا المجتهد المطلق الموصوف بكذا وكذا أوصافا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسان كذلك؛ فليعرض عنهما فرضا حتما لا شك ولا إشكال فيه، ومن طلب الهدى منهما؛ فهو إما زنديق، وإما مجنون؛ لأجل صعوبة فهمهما.
فسبحان الله وبحمده؛ كم يبين الله سبحانه شرعا وقدرا، خلقا وأمرا، في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى، بلغت إلى حد الضروريات العامة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون"( ).
وكان بعض الناس في عهد الشيخ يتحايل بطريقة الوقف أو الهبة أو القسمة لحرمان النساء من حقهن تحايلا وصفه الشيخ في إحدى رسائله بقوله: "إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه، وفر من قسمة الله؛ مثل أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النخل ولا تأكل منه إلا حياة عينها، أو يريد تفضيل بعض أولاده على بعض، أو يريد أن يحرم نسل البنات...".
إلى أن قال: "ويفتي له بعض المفتين أن هذه البدعة الملعونة صدقة بر تقرب إلى الله، ويوقف على هذا الوجه قاصدا وجه الله".
ووصف الشيخ هذا بالجنف والإثم، وشدد النكير على فاعله، وأقام الأدلة الشرعية على بطلانه( ).

وقدمت هذه النقول التي اخترتها مما كتبه الشيخ نفسه، وصدق على بعضها ابن عيسى قاضي الدرعية، أمثلة صادقة، تبين صورة واضحة لواقع البيئة من حول الشيخ، وحال الناس في زمانه رحمه الله من دين الله الذي بعث به رسوله محمد بن عبد الله .
تصوير ابن غنام للواقع الديني :
ويذكر المؤرخ حسين بن غنام حالة الناس قبيل قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإسلام الذي أرسل الله به رسوله محمد بن عبد الله  وأورد هنا خلاصة لذلك:
في مطلع القرن الثاني عشر الهجري كان أكثر الناس قد انهمكوا في الشرك، وارتدوا إلى الجاهلية، وانطمست بينهم أنوار الإسلام والسنة؛ لذهاب أهل العلم والبصيرة، وغلبة أهل الجهل، واستعلاء ذوي الأهواء والضلال، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم من الضلال؛ ظانين أنهم أدرى بالحق، وأعلم بطريق الهدى... عدلوا عن عبادة الله وحده إلى عبادة الأولياء والصالحين من الأموات والأحياء؛ يستغيثون بهم في النوازل والكوارث، ويقبلون عليهم في الحاجات والرغبات، ويعتقدون النفع والضر في الجمادات كالأحجار والأشجار، ويعبدون أهل القبور، ويصرفون لهم الدعاء والنذور في حالتي الضراء والسراء، زائدين على

مشركي الجاهلية الأولى، حيث كانوا إذا مسهم الضر لا يدعون إلا الله مخلصين له الدين، أما إذا نجاهم الله؛ فهم يشركون، لكن هؤلاء أحبوا أوثانهم من دون الله محبة أعظم من محبتهم لله؛ سرت في سويداء قلوبهم، وبدت على صفحات وجوههم وألسنتهم وجوارحهم، وبذلوا أعمارهم وحياتهم في دفع الحق ومن يبديه.
وهذا ليس في قطر دون آخر، ولكنه في غالب الأقطار، كما أنه ليس في أول زمن الشيخ فحسب، بل كان بدؤه من قديم، حيث حدث التغيير والابتداع والاختلاف بعد زمان رسول الله  وزمان من بعده من أهل القرون الفاضلة، ثم تعاقبت العصور وتوالت السنون، والغي يزداد، والضلال ينتشر، حتى جاء من اعتقد أن الدين هو ذلك الضلال والبدع؛ لأنهم وجدوا آباءهم وأجدادهم وأسلافهم عليه، فقالوا: إنا على آثارهم مقتدون. وقد نص على ذلك كثير من العلماء في كتبهم المصنفة فيما حدث من البدع والحوادث وما غير من منار الدين وشعائر الإسلام.
كان في بلدان نجد من ذلك أمر عظيم، يأتون عند قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة، فيدعونه لتفريج الكرب وكشف النوب، وكان عندهم مشهورا بذلك ومذكورا بقضاء الحوائج.
وكانوا يزعمون أن في قريوة في الدرعية قبور بعض الصحابة، فعكفوا على عبادتها، وصار أهل تربتها أعظم في صدورهم من الله.
وفي شعيب غبيراء، يزعمون أن فيه قبر ضرار بن الأزور، وهو

مكذوب، يأتون من المنكر عنده ما لا يعهد مثله.
وكان الرجال والنساء يأتون بليدة الفدا لفحل النخل الذي فيها، ويفعلون عنده أقبح الأفعال، ويتبركون به، ويعتقدون به، فكانت المرأة إذا تأخرت عن الزواج تأتيه فتضمه بيديها؛ ترجو أن يفرج عنها كربها، وتقول: يا فحل الفحول! أريد زوجا قبل الحول.
وكانت طوائف من الناس تنتاب شجرة الطرفية؛ يتبركون بها، ويعلقون الخرق عليها إذا ولدت المرأة ذكرا؛ لعله يسلم من الموت.
وفي أسفل الدرعية غار كبير، يزعمون أن امرأة تسمى بنت الأمير، أراد بعض الفسقة أن يظلمها، فصاحت، فانفلق لها الغار، وأجارها من ذلك السوء، فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز، ويبعثون بصنوف الهدايا إليه.
وكان عندهم رجل يزعمونه من الأولياء اسمه تاج؛ سلكوا فيه سبيل الطواغيت، فصرفوا إليه النذر، وتوجهوا إليه بالدعاء، واعتقدوا فيه النفع والضر، وكانوا يأتونه لقضاء شئونهم أفواجا، وكان هو يأتي إليهم من بلدة الخرج إلى الدرعية لتحصيل ما تجمع من النذور والخراج، وكان أهل البلاد المجاورة يعتقدون فيه اعتقادا عظيما، حتى خافه الحكام، وهاب أعوانه وحاشيته الناس، فلا يتعرضون لهم بما يكرهون، ويدعون فيه دعاوى فظيعة، وينسبون إليه حكايات قبيحة، وكانوا لكثرة ما تناقلوها وأذاعوها يصدقون ما فيها من مين وزور، زعموا أنه أعمى، وأنه يأتي من بلده الخرج من غير قائد يقوده، وغير ذلك من

الحكايات والاعتقادات التي ضلوا بسببها عن الصراط المستقيم، وأعرضوا عن إخلاص الدعاء لله وحده رب العالمين.
وأما ما يفعل في الحرم المكي الشريف -زاده الله رفعة وتشريفا-، فهو يزيد على غيره كثيرا؛ ففي تلك البقاع المطهرة تأتي جماعات الأعراب من الفسوق والضلال والعصيان ما يملأ القلب أسى وحزنا؛ فلقد انتهكت فيه المحرمات والحدود، تظاهر بذلك جم غفير، ولم يكن لأهل العلم تغيير، بل صادموا الحق، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق.
فمن ذلك: ما يفعل عند قبة أبي طالب، وهم يعلمون أنه حاكم متعد غاصب، كان يخرج إلى بلدان نجد، ويضع عليهم خراجا، فإن أعطي ما أراد، انصرف، وإلا؛ عاداهم، وحاربهم، فصاروا يأتون قبره بالسماعات والعلامات، يستغيثون به عند حلول المصائب ونزول الكوارث.
وكذلك ما يفعل عند قبر المحجوب؛ يعظمون أمره، ويحذرون سره، ويطلبون عنده الشفاعة ومغفرة الذنوب.
وإن التجأ سارق أو متعد أو غاصب إلى أحد هذين القبرين؛ لم يتعرض له أحد بما يكره، ولا يخشى معاقبة، أما إن تعلق جان مهما تكن جنايته صغيرة بالكعبة، فإنه يسحب منها سحبا، لا يرعون للكعبة حرمة.
ومن ذلك أيضا: ما يفعل عند قبر ميمونة بنت الحارث أم

المؤمنين رضي الله عنها في سرف، وعند قبر خديجة رضي الله عنها في المعلاة؛ من اختلاط النساء بالرجال، وفعل الفواحش والمنكرات، وارتفاع الأصوات عندهما بالدعاء والاستغاثة وتقديم الفدية، مما لا يسوغ لمسلم أن يبيحه، فضلا عن أن يراه قربة وعبادة.
وكذلك ما يأتونه عند قبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بالطائف من هذه الأمور التي تشمئز منها نفس الجاهل؛ فكيف بالعالم؟!
يقف عند قبره المكروب والخائف متضرعا مستغيثا في حالة عبوديته، وينادي أكثر الباعة في الأسواق: اليوم على الله وعليك يا ابن عباس! ثم يسألونه ويسترزقونه.
وأما ما يفعل عند قبره عليه الصلاة والسلام من الأمور العظيمة المحرمة -كتعفير الخدود، والانحناء والسجود خضوعا وتذللا، واتخاذ ذلك القبر عيدا-؛ فهو أعم من أن يخفى، وأعظم من أن يذكر؛ لشهرته وشيوعه، وقد لعن الرسول  فاعله، وكفى بذلك زجرا ووعيدا، ونهى عما يفعل عنده الآن غالب العلماء، وغلظوا في ذلك تغليظا شديدا.
ويكل اللسان عن وصف ما يفعل عند قبر حمزة، وفي البقيع وقباء، ويعجز القلم عن بيانه، مهما يكتفي بذكر القليل منه:
إذا احتاج النهار إلى دليل
وليس يصح في الأذهان شيء‌‌

وأما ما يفعل في جدة؛ فقد عمت به البلوى، وبلغ من الضلال والفحش الغاية؛ فعندهم قبر طوله ستون ذراعا، عليه قبة، يزعمون أنه

قبر حواء، وضعه بعض الشياطين من قديم وهيأه، فيجبي عنده السدنة من الأموال كل سنة ما يكاد أن لا يخطر بالبال، ولا يدخل إنسان ليسلم على أمه؛ إلا عجل بتقديم الدراهم، وكيف لا؟! أيبخل أحد من اللئام فضلا عن الكرام ببذل بعض حطام الدنيا في سبيل الدخول على أمه والسلام عليها؟!
وعندهم معبد يسمى العلوي، فاقوا في تعظيمه جميع الخلائق، فلو دخل قبره سارق أو غاصب أو قاتل، لم يعترضه مؤمن ولا فاسق بمكروه، ولم يجرؤ أحد أن يخرجه منه، فمن استجار بتربته؛ أجير، ولم ينله أحد من الحكام بأذى.
وفي سنة 1210هـ عشر بعد المئتين والألف اشترى تاجر من أهل جدة أموالا من تجار الهند والحسا القادمين تزيد على سبعين ألف ريال، فانكسر بعد أيام، وأفلس، وتغيرت حاله، ولم يبق عنده ما يقابل نصف الذي عليه، فهرب إلى ذلك المعبد مستجيرا، فلم يتقدم إليه من الناس شريف ولا وضيع ولا كبير ولا صغير، وترك بيته وما فيه من مال ومتاع، ولم يرزأ بقليل ولا كثير، حتى اجتمع التجار، ورأوا أن ينظروه وييسروا عليه، وجعلوا المال عليه نجوما في سنين، وكان بعض أهل الدين من المشيرين بذلك.
وأما ما يجري في بلدان مصر وصعيدها من الأمور التي ينزه الإنسان عن ذكرها، خصوصا عند قبور الصلحاء والعباد، كما ذكرها الثقات في نقل الأخبار وروايتها؛ فأكثر من أن يحصى.
فمنها أنهم يأتون قبر أحمد البدوي وقبور غيره من العباد والزهاد

والمشهورين بالخير، فيستغيثون ويندبون، ويسألونهم المدد ويستحثونهم على كشف المصائب، ويتداولون بينهم حكايات، وينسبون إليهم كرامات، ويحكون في محافلهم خرافات من أفحش المنكرات، فيقولون: فلان استغاث بفلان فسارع إلى إغاثته! وفلان شكا لصاحب ذلك القبر حاله فأغاثه وكشف عنه ضره! وفلان شكا إليه حاجته فأزال عنه فقره... وأمثال هذا الهذيان المليء بالزور والبهتان.
ويصدر هذا الكلام في تلك البلاد وهي مملوءة بالعلماء وذوي التحقيق والعرفان، ويبقى ذلك المنكر لا يزال، بل ربما تنشرح له صدورهم.
وأما ما يفعل في بلدان اليمن من الشرك والفتن؛ فأكثر من أن يستقصى، فمن ذلك ما يفعله أهل شرقي صنعاء بقبر عندهم يسمى الهادي، كانوا يغدون عليه جميعا ويروحون؛ يدعونه ويستغيثون به، فتأتيه المرأة إذا تعسر حملها أو كانت عقيما، فتقول عنده كلمة عظيمة قبيحة، فسبحان من لا يعاجل بالمعاقبة على الذنوب.
وأما أهل برع؛ فعندهم البرعي، وهو رجل يرحل إلى دعوته كل دان وقاص، ويؤتى إليه من مسيرة أيام وليال لطلب الإغاثة وشكاية الحال، ويقيمون عند قبره للزيارة، ويتقربون إليه بالذبائح؛ كما حقق أخباره من شاهدها.
وأما أهل الهجرية؛ فعندهم قبر يسمى علوان، وقد أقبل عليه

العامة في نوائب الزمان، واستغاث به منهم كل لهفان، ويسميه غوغاؤهم منجي الغارقين، وأغلب أهل البر والبحر منهم يطربون عند سماع ذكره ويستغيثون به، وإن لم يصلوا إلى قبره، وينذر له في البر والبحر وعند أهل بلده نذورا تزيد عن الحصر، ويفعلون عند قبره السماعات والموالد، ويجتمع عنده أنواع من المعاصي والمفاسد، وليس في أقطار اليمن مثله في الاشتهار، ولهم في حضرته أمور يفعلونها تدينا، كطعنهم أنفسهم بالسكاكين والدبابيس، ويقولون وهم يرقصون طربين وقد ملأ الوجد ألبابهم: يا سادتي قلبي بكم معنى.
وأما حال حضرموت والشحر ويافع وعدن، فقد ثوى فيهم الغي والضلال، عندهم العيدروس يفعل عند قبره من السفه والشرك ما يكفي ذكر مجمله، يقول قائلهم: شيء لله يا عيدروس! شيء لله يا محيي النفوس!!
وأما بلدان الساحل؛ فعندهم الكثير:
أهل المخا، عندهم الشاذلي، أكثرهم يدعوه ويستغيث به، ولا تفتر ألسنتهم عن ذكره قعودا وقياما، وينتابون تربته وحدانا وجمعا.
وأهل الحديدة عندهم الشيخ صديق، يعظمونه ويغلون فيه، إلى حد أنه لا يمكن أحد أن يركب البحر أو ينزل منه إلى البر حتى يجيء إليه ويسلم عليه ويطلب منه الإعانة والمدد فيما أراد.
وأما أهل اللحية، فعندهم الزيلعي، واسمه عندهم الشمس؛ لأن قبره ليس عليه قبة؛ يصرفون إليه جميع النذور، ويعظمونه،

ويدعونه أشد ما يكون ذلك عبادة وضراعة، ويحكي عنه أهل البادية منهم أنه كان رسولا في حاجة، فأراد أن يدخل بلده والشمس متدلية للغروب، فقال لها: قفي! فوقفت، وسمعت قوله وامتثلت، فدخل بلده نهارا.
وعندهم قبر رابعة مشهور، لا يحلفون يمينا صادقا إلا بها.
وفي أراضي نجران الطامة المعضلة، وهو الرئيس المعروف عندهم بالسيد؛ فقد أتى أهل نجران وما يليهم من الأعراب والقبائل من تعظيمه والغلو فيه والاعتقاد الشركي ما أفضى بهم إلى الضلال والإلحاد، صرفوا له من أنواع العبادة سهما، وجعلوا فيه للألوهية قسما، حتى كادوا يجعلونه لله ندا، وكان عندهم بذلك الحال شهير، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وأما في حلب ودمشق وأقصى الشام وأدناه؛ فهو مما لا يوقف له على حد، ولا يمكن ضبط قدره؛ بحسب ما يحكيه من يشاهد ذلك أو يراه، من العكوف على عبادة القبور، وصرف القربان إليها والنذور، والمجاهرة بالفسوق والفجور، وأخذ المكوس، وإحلال الدستور الوضعي محل الشريعة الربانية، وتنظيم عمل البغايا، ووضع الخراج عليهن من مهورهن الخبيثة.
وفي الموصل وبلدان الأكراد وما يليها من سائر البلاد، وفي العراق عموما، وفي المشهد وبغداد خصوصا، ما لا يقدر على حصره وتعداده مما يفعل عند قبر الإمام أبي حنيفة ومعروف الكرخي والشيخ

عبد القادر رضي الله تعالى عنهم من الدعاء والاستغاثة بهم والطلب منهم في سائر الأوقات والأزمان، ويحصل من التعظيم والتذلل عندهم والخضوع أعظم مما يصدر بين يدي الله في الصلاة، واشتهر عندهم أن كثيرا ممن فعل ذلك وجرب؛ وجد أنهم لقضاء الحوائج ترياق مجرب.
وأما مشهد علي ؛ فقد صيرته الرافضة لعنها الله وثنا يعبد؛ يدعونه بخالص الدعاء من دون الله تعالى، ويصلون له في قبته، ويركعون ويسجدون، وليس في قلوبهم من تعظيم الله معشار ما فيها لعلي ؛ يحلفون بالله الأيمان الكاذبة ولا يخافون، أما علي؛ فلا يحلف به أحدهم كاذبا أبدا، ويجزمون أن عنده مفاتح الغيب، ولهذا يقولون: إن زيارته أفضل من سبعين حجة! ولقد غلوا فيه، وأتوا من الشرك أعظم مما فعل النصارى بالمسيح، سوى دعوى الولدية، وزخرفوا على قبره قبة مذهبة.
ومثل ذلك الشرك يفعل عند مشهد الحسين والكاظم.
ولقد شب فيهم على ذلك الكفر الرعاع والأطفال وشابوا عليه؛ فلا يسمع بينهم ذكر لله، وإنما ديدنهم ذكر علي والحسين وبقية الآل... وكفى بما ذكر حجة عليهم في خروجهم عن الإسلام.
وكذلك جميع قرى الشط والمجرة وما حول البصرة وما توسط فيها من تلك القبب والمشاهد؛ كقبر الحسن البصري والزبير رضي الله عنهما؛ يطلبون منهما الفرج، ويصرفون لهما من العبادة الدعاء

والاستغاثة عند الشدائد، لا يجحد ذلك إلا مباهت مكابر.
وأما في القطيف والبحرين؛ فالبدع الرفضية الشركية والمشاهد الوثنية التي لا تكاد تخقى على أحد من الناس.
وعلى العموم؛ فإن من رأى أفعال الناس في بلاد المسلمين مما أشرنا إليه، وهو عارف بالإيمان، تبين له غربة الإسلام في ذلك الزمان، وصيرورة الحظوظ الدنيوية والشهوات النفسية غايتهم ومقصدهم وسرهم في الخلق والإيجاد.
وهذا في الغالب الأكثر، وليس عليه جميع المسلمين، حيث إن الله تعالى لا يجمع الأمة على ضلالة، ولا يعمها بالسفاهة والجهالة، كما ثبت ذلك في صحيح الأخبار عن النبي  وكما أخبر أيضا أن في أمته أناسا لا يزالون بهديه يستمسكون إلى قيام الساعة، كما أن أكثرهم في أزمنة الغربة مخطئون، وعن هدي الرسول  ومنهاجه منحرفون... وهذا مما زينه الشيطان واقتضته الطباع الناقصة والنفوس البشرية، حتى إن ذلك يوجد من بعض العلماء المنتسبين إلى أحد المذاهب المتعصبين، فلا يقبلون من الدين رأيا ولا رواية إلا ما كان لأصحابهم به عمل أو دراية، فيرفض السنن النبوي واتباعه، ولو عرف أن الحق ليس مع مذهبه، وقد يحمله التعصب على الطعن في الأئمة وثلبهم، وكذلك من المتعبدة والمتصوفة من يرى طريقة العلم سفاهة وضلالا، ويدعي أن العلماء لم يشربوا من صافي الشريعة ومعينها؛ كبرت فرية وكذبة من هؤلاء المتصوفة".
وقال ابن غنام عن الذبح للجن تقربا إليهم وقصد الذابح أن يبرأ

مريضه من شكواه: "ومن العجب أن ذلك يفعل في بلدان العارض وغيرها، لا ينكره أحد من علمائهم على من فعله، بل منهم من يفتي الجهال بذلك، ويقول: اذبحوا على هذا الصبي أو هذا المريض ذبيحة سوداء للجن، ولا تسموا عليها! وقصده بذلك أن الجن يزيلون ذلك المرض إذا ذبحت لهم تلك الذبيحة.
فلما أظهر الله هذا الشيخ، ونهى عن ذلك، وبلغ الناس كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم؛ أن ذلك كفر وردة؛ ينكر ذلك عليه من يزعم أنه من العلماء؛ فهل يشك أحد من العلماء أن ذلك كفر وشرك وعبادة للجن... نعوذ بالله من الطبع على القلب"( ).
انتهى ما أردت تلخيصه وتحريره من "روضة ابن غنام" في وصف البيئة التي كانت من حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله زمانا ومكانا( ).
وصف الشيخ عبد اللطيف غربة الدين :
ومثل ذلك ذكره الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في نبذته المفيدة عن حال جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ حين أتى على وصف أهل عصره ومصره، وقرر أن غربة الإسلام قد اشتدت بينهم، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية من الجهل والتقليد، والإعراض عن السنة والقرآن، وقبول أحاديث الكهان

والطواغيت، والآثار الموضوعات، والحكايات المختلقة والمنامات؛ كما يفعله أهل الجاهلية، وكثير منهم يعتقد النفع والضر في الأولياء والصالحين والأوثان والأصنام والشياطين والأحجار والجمادات، فيستغيثون بهم، ويتعلقون، ويتبركون بآثارهم وقبورهم في جميع الأوقات، حتى نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
واستمر الشيخ عبد اللطيف في وصف البيئة على نحو ما وصف ابن غنام رحمهما الله تعالى( ).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في نصيحة للإمام فيصل بن تركي: "ومن طاف البلاد وخبر أحوال الناس منذ أزمان متطاولة؛ عرف انحرافهم عن هذا الأصل الأصيل (ويعني به معرفة الله بصفات كماله ونعوت جلاله، ووصفه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وعبادته وحده لا شريك له، والكفر بما سواه من الآلهة والأنداد)، وبعدهم عما جاءت به الرسل من التفريع والتأصيل؛ فكل بلد وكل قطر وكل جهة فيما نعلم فيها من الآلهة التي عبدت مع الله بخالص العبادات وقصدت من دونه في الرغبات والرهبات ما هو معروف مشهور لا يمكن جحده ولا إنكاره، بل وصل بعضهم إلى أن ادعى لمعبوده مشاركة في الربوبية بالعطاء والمنع والتدبيرات، ومن أنكر ذلك عندهم؛ فهو خارجي ينكر الكرامات، وكذلك في باب الأسماء والصفات؛ رؤساؤهم وأحبارهم معطلة، وكذلك يدينون بالإلحاد والتحريفات، وهم يظنون أنهم من أهل التنزيل والمعرفة

باللغات، ثم إذا نظرت إليهم وسبرتهم في باب فروع العبادات؛ رأيتهم قد شرعوا لأنفسهم شريعة لم تأت بها النبوات، هذا وصف من يدعي الإسلام منهم في سائر الجهات"( ).
كلام ابن بشر عن فشو الشرك :
وقال المؤرخ ابن بشر ما نصه: "وكان الشرك إذ ذاك قد فشا في نجد وغيرها، وكثر الاعتقاد في الأشجار، والأحجار، والقبور، والبناء عليها، والتبرك بها، والنذر لها، والاستعاذة بالجن، والذبح لهم، ووضع الطعام لهم، وجعله لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم وضرهم، والحلف بغير الله... وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر.
والسبب الذي أحدث ذلك في نجد -والله أعلم- أن الأعراب إذا نزلوا في البلدان وقت الثمار، وصار معهم رجال ونساء يتطببون ويداوون، فإذا كان في أحد من أهل البلد مرض، أو في بعض أعضائه؛ أتى أهله إلى متطببة ذلك القطين من البادية، فيسألونهم عن دواء علته، فيقولون لهم: اذبحوا له في الموضع الفلاني كذا وكذا؛ إما خروفا بهيما أسود، وإما تيسا أصمع، وذلك ليحققوا معرفتهم عند هؤلاء الجهلة، ثم يقولون لهم: لا تسموا الله على ذبحه، وأعطوا المريض منه كذا وكذا، وكلوا منه كذا وكذا، واتركوا كذا وكذا؛ فربما يشفي الله مريضهم فتنة لهم واستدراجا، وربما يوافق وقت الشفاء...

حتى كثر ذلك في الناس، وطال عليهم الأمد، فوقعوا بهذا السبب في عظائم، وليس للناس من ينهاهم عن ذلك، فيصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورؤساء البلدان وظلمتهم لا يعرفون إلا ظلم الرعايا والجور والقتال لبعضهم بعضا"( ).
قول الشيخ ابن باز عن الحالة الدينية :
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "كان أهل نجد قبل دعوة الشيخ على حالة لا يرضاها مؤمن، كان الشرك الأكبر قد انتشر في نجد، حتى عبدت القباب والأشجار، وعبدت الفيران، وعبد من يدعى بالولاية وهو من المعتوهين أو المجانين، واشتهر في نجد السحرة والكهنة وسؤالهم وتصديقهم، وليس هناك منكر إلا من شاء الله، وغلب على الناس الإقبال على الدنيا وشهواتها، وقل القائم لله والناصر لدين الله، وهكذا في الحرمين الشريفين، وفي اليمن اشتهر فيها ذلك الشرك، وبناء القباب على القبور، ودعاء الأولياء والاستغاثة بهم، وفي اليمن من ذلك ما لا يحصى، ما بين قبر وما بين غار وبين شجرة وبين مجذوب ومجنون يدعى من دون الله ويستغاث به مع الله، وكذلك مما عرف في نجد واشتهر دعاء الجن، والاستغاثة بهم، وذبح الذبائح لهم، وجعلها في الزوايا من البيوت؛ رجاء نجدتهم، وخوف شرهم"( ).

كلام الشيخ ابن حميد عن الانحراف الواقع :
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد بعد أن تحدث عن أسباب رؤية الشيخ محمد بن عبد الوهاب للواقع من حوله: "كل ذلك قد أعطاه النظر الفاحص لما عليه قومه وبنو جلدته ومن جاورهم من البلدان من الانحراف عن طريق الإسلام الصحيح، يصل في بعض الحالات إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة، فقد رأى في تلك المناطق مرتعا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافى مع أصول الدين، فكان هناك قبور تنسب إلى بعض الصحابة؛ يقصدها الناس، ويطلبون منها حاجاتهم، ويستغيثون بها لرفع كروبهم وقضاء حاجاتهم، ولقد وصلت الحال في بعضهم أن اتجهت العوانس من النساء إلى فحل من فحول النخل، يرددن بعبارة مسجوعة: يا فحل الفحول! أريد زوجا قبل الحول!! وكما انتشرت هذه الخرافات في نجد؛ رئي مثلها في الحجاز، وفي البصرة، والزبير، وسمع مثلها في عدن، واليمن... فوزن هذه الأفعال المنكرة بميزان الوحيين كتاب الله وسنة رسوله محمد  وأصحابه المتقين، فرآهم في بعد عن منهح الدين وروحه، حيث رأى أنهم لم يعرفوا لماذا بعث الله الرسل؟ ولماذا بعث الله محمدا للناس كافة؟ رآهم غيروا أصول الدين وفروعه إلا القليل... هذه إشارة إلى وضعهم الديني"( ).

كلام الشيخ البسام :
ويذكر الشيخ البسام أن بيئة العالم الإسلامي من حول الشيخ محمد بيئة جاهلة جافية متقاطعة متباعدة( ).
وصف الأمير الصنعاني ظهور البدع وطغيان الضلال :
وإذا تجاوزنا علماء الدعوة من نجد، والتمسنا ما يقوله العلماء من غيرهم، فإننا نجد الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني يصف ظهور المبتدعات وطغيان الضلال وغربة الدين في قصيدته البائية المشهورة فيقول:

فلم تنج منه مركب وركاب
فنجاهم والغارقون تباب
يطير بنا عما نراه غراب
على ظهرها يأتيك منه عجاب
عسى بلدة فيها هدى وصواب
وليس لأهليها يكون متاب
محاسن يرجى عندهن ثواب
على عورة منهم هناك ثياب
تواتر هذا لا يقال كذاب
دعاؤهم فيما يرون مجاب
لسان ولا يدنو إليه خطاب
لكل مسمى والجميع ذئاب
ذئاب وما عنه لهن ذهاب
فلم يبق منه جثة وإهاب
فهل بعد هذا الاغتراب إياب
فيجبر من هذا البعاد مصاب
سوى عزلة فيها الجليس كتاب


طغى الماء من بحر ابتداع على الورى
وطوفان نوح كان في الفلك أهله
فأنى لنا فلك ينجي وليته
وأين إلى أين المطار وكل ما
نسائل من دار الأراضي سياحة
فيخبر كل عن قبائح ما رأى
لأنهم عدوا قبائح فعلهم
كقوم عراة في ذرا مصر ما علا
يدورون فيها كاشفي عوراتهم
يعدون في مصر من فضلائهم
وفيها وفيها كل ما لا يعده
وفي كل مصر مثل مصر وإنما
ترى الدين مثل الشاة قد وثبت لها
لقد مزقته بعد كل ممزق
وليس اغتراب الدين إلا كما ترى
فيا غربة هل يرتجى منك أوبة
فلم يبق للراجي سلامة دينه

ويعني بالكتاب القرآن الكريم.
إلى أن قال يصف موقف أهل الأرض مما حواه القرآن الكريم:
كأنهم عما حواه غضاب
يقولون من يتلوه فهو مثاب
لما كان للآبا إليه ذهاب
ويركب في التأويل فيه صعاب
إلى مذهب قد قررته صحاب
ولكن سكان البسيطة أصبحوا
فلا يطلبون الحق منه وإنما
فإن جاءهم فيه الدليل موافقا
رضوه وإلا قيل هذا مئول
تراه أسيرا كل حبر يقوده

هذا ما يصف به الأمير الصنعاني أهل زمانه من بعدهم عن كتاب الله، وعدم رجوعهم إليه، ولكن يسخرونه في تقرير مذاهبهم التي جعلوها هي الأصول التي يزنون بها دينهم، أما كتاب الله وسنة رسوله ؛ ففي غربة شديدة في أراضي المسلمين وبلدانهم وأمصارهم، وحل محلها في الظهور والاشتهار المبتدعات والعصبية للمذاهب المخالفة.
والشيخ الصنعاني معاصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه

الله، وزمانه هو زمانه، ولقد أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقصيدة مطلعها:
وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
سلام على نجد ومن حل في نجد

وفي هذه القصيدة أيضا بيان صورة صحيحة للبيئة التي كانت في ذلك الزمان؛ كقوله يتحدث عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويصف ما لاقاه من ضلال الناس:
مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
يغوث وود بئس ذلك من ود
كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
أهلت لغير الله جهلا على عمد
ومستلم الأركان منهن باليد
ويعمر أركان الشريعة هادما
أعادوا بها معنى سواع ومثله
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها
وكم عقروا في سوحها من عقيرة
وكم طائف حول القبور مقبل

إلى آخر ما أنشده رحمه الله من هذه القصيدة الجيدة.
وقد ذكر إنكاره للغلو الذي اشتمل عليه "دلائل الخيرات"، وقد نهى الرسول  عن الغلو، ولكن الجهال صيروا "دلائل الخيرات" أعظم من القرآن، فأقبلوا على تلاوته؛ هاجرين لكتاب الله القرآن العظيم.
ثم ذكر بدعة التعصب للمذاهب المخالفة للدليل حتى إن من خالفها لدليل من القرآن والسنة يناله من المتعصبين كل الأذى بأنياب الأفاعي والسباع، وأسواط الذم والغيبة والجفاء والتنقيص بلا حق ولا ذنب سوى أنه يتابع رسول الله  في الرد إلى وحي الله المنزل،

-هذا الذي عده الجهال ذنبا-؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم ذكر بدعة التصوف وطريقة ابن عربي وضلالهم المنتشر... إلى أن قال رحمه الله تعالى:
ويرجع أحيانا ويهدي ويستهدي
أباه كأن الحق في الأب والجد
فهل قدحوا هذي العقيدة من زند
على ملة الآباء فردا على فرد
غريب وأصحابي كثير بلا عد
فكم أكلوا لحمي وكم مزقوا جلدي( ) ومن يطلب الإنصاف يدلي بحجة
وهيهات كل في الديانة تابع
وقد قال هذا قبلهم كل مشرك
كذلك أصحاب الكتاب تتابعوا
وهذا اغتراب الدين فاصبر فإنني
إذا ما رأوني عظموني وإن أغب

هذه شهادة من عالم أهل اليمن الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني الحسيني.
شهادة الشيخ حسين بن مهدي النعمي :
ومن اليمن أيضا نورد شهادة من أحد علمائها الموثوقين، وهو العالم المحقق الشيخ حسين بن مهدي النعمي المتوفى سنة (1187هـ)، يصف لنا البيئة وواقع الناس في زمانه فيقول:
"إن ما فشا في العامة ومن امتاز عنهم بالاسم فقط هو كون هجيراهم عند الأموات ومصارع الرفات: دعاءهم، والاستغاثة بهم، والعكوف حول أجداثهم، ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار الفاقة

والاضطرار، واللجأ في ظلمات البحر والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال، والله قد علم ما في طي ذلك كله من قبيح الخلائق والأفعال، وارتكاب ما نهى الله عنه وإضاعة حقوق ذي العزة والجلال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى من الأنام، واستنزال السحائب والأمطار، واستماحة المآرب والأوطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد، وبالجملة؛ فأي مطلب أو مهرب..
ترى هنالك ربع المشهد مأهولا، وقد قطعت إليه المهامه وعورا وسهولا، والنداء لساكنه أن يمنح أو يريح، والتأدب والخضوع والتوقير والرغبة ومشاعر الرهبة، وينضاف إلى ذلك -خصوصا في الزيارات في الأعياد والموالد- نحر الأنعام، وترك الصلاة وصنوف الملاهي وأنواع المعاصي للمليك العلام، وكثيرون لا طمع في حصرهم، ولعلهم العموم؛ إلا من شاء الله.
إن لم تلد زوجة أحدهم، أو طال مرض مريض منهم، أو صاب امرأة التوق إلى النكاح، أو قحطت الأرض، أو دهمهم نازل من عدو أو جراد أو غيرهما، أو راموا أمرا عناهم تحصيله؛ فالولي في كل ذلك نصب العين، وإذا جرى المقدور بنفع أو دفع ضر أو حصول مكروه؛ كان المركوز في عقيدتهم التي لا يتحولون عنها: أن ذلك ثمرة الاستغاثة به والإنابة إليه في الأولين، ودليل ضعف الاعتقاد أو اختلال شرط من المنيب أو نحوهما في الثالث، فصار مدار التصرف والحصول

له خاصة، أو مع الله في شيء دون شيء.
وحاصل معتقدهم: أن للولي اليد الطولى في الملك والملكوت؛ كما سيأتي تحقيق هذا وشرح وقوعه في أفعال من على هذه العقيدة، وذكر ألفاظهم مبينة مفسرة مصرحة بما حكيناه عنهم، وأنهم قد ذهبوا هذا المذهب المشروح آنفا في سكان التراب، وأنزلوهم هذه المنزلة المحكية من مساواة رب الأرباب، وقد سردنا بعضها للبيان، ولئلا يتمكن الخصم من جحود، أو يقدر على مدافعة، وليعرف كل سامع لما نمليه أن القائل بأن العوام قد يقع منهم عبارات موهمة، وقصارى أمرهم التوسل! إما غالط، أو خالط، أو جاهل للدين، وإلا؛ فما بعد هذا".
ثم مضى يشرح أفراد وقائع هذا الشرك، وذكر ألفاظهم الصريحة في مقارفة الشرك والاعتقاد في المقبورين، إلى أن قال: "وشواهد هذا ظاهرة في حالاتهم تلك، بحيث إن جماهير من العامة لا يحصون في أقاليم واسعة وأقطار متباعدة ونواحي متباينة، لما كانوا قد نشئوا لا يعرفون إلا ما وجدوا عليه من قبلهم من الآباء والشيوخ من هذه العقائد الوثنية والمفاسد، فتجدهم إذا شكى أحدهم على الآخر نازلة نزلت؛ فلعله لا يخطر له في بال؛ إلا: هل قد ذهبت إلى الولي؟ وقد يضرب له الأمثال بأن فلانا كان من أمره كذا، وفلانا كان من أمره كذا، حتى أنسوا بهذا الباب أكثر مما يصفه الواصف، وبقدر أنسهم به تناسوا ما رسمه لهم الرسول الحكيم الناصح الأمين، وجهلوه بالمرة، وانطمست لديهم معالمه، وبعضهم قد يعرف شيئا من ذلك، ولكنه يؤثر عليه ما

ذكر: إما لعدم وثوقه بذلك، وإما لغلبة انفعال نفسه لخاطر السوء، وإما لسلطان العادات والتقليد، وبعضهم -وهو أقلهم كفرا- يجعل البابين محلا صالحا مدخلا للدفع والنفع، حتى إنا شاهدنا ما لا يحصى قدره الآن، إذا سقطت دابة أحدهم، أو عثر هو، أو بغتته حادثة من هذا القبيل، نادى ببديهة الحس: يا هادياه! يا ابن علوان! يا جيلاني!".
ويقول: "ومن عجيب ما أتته العامة من طرائف هذا الباب وغرائبه الفاحشة التي زعم ذلك المخادع القائل: إنها مجرد توسل وعبارة موهمة! ما شاهدناه بالمعاينة مكتوبا على راية مشهد من المشاهد "هذه راية البحر التيار، فلان بن فلان، به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار". وإلى هذا اللفظ زيادة تركتها؛ لأني لا استثبتها الآن، وهي من هذا النمط المستطرف.
ومن عجيب طرائفهم في هذا الباب قول بعضهم من قصيدة، وهي شيء يقشعر منه الجلد، وإنما حكيناه لما زعم شيوخهم المخادعون: إنها عبارة موهمة بمنزلة لغو اليمين.
يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري
وأنت لي ملجأ من حادث الدهر
لي الكفيل بكشف الضر والظفر
وخير خاتمة مهما انقضى عمري
امتدت بسوء وأمر مؤلم نكر
آمله يا صفي السادة الغرر
مني لنيل الذي أملت من وطري
يا سيدي يا صفي الدين يا سندي
أنت الملاذ لما أخشى ضرورته
امدد بمواد اللطف منك وكن
وامنن علي بتوفيق وعافية
وكف عنا أكف الظالمين إذا
فإني عبيدك الراجي لودك ما
وقد مددت يد الرجوى على ثقة

انتهى المراد نقله منها.
فلا ندري أي معنى اختص به الخالق بعد هذه المنزلة من كيفية مطلب أو تحصيل مأرب؟! وماذا أبقى هذا المشرك الخبيث لخالقه من الأمر؟! فإن كان هذا أو ما يعطي شيئا منه عبارة موهمة بمنزلة لغو اليمين؛ فعلى السفسطة السلام؛ فإن المشركين أهل الأوثان ما يؤهلون كل ما عبدوه من دون الله لشيء من هذا، ولا لما هو أقل منه، كما سنشرح لك حالهم إن شاء الله تعالى"( ).
ومن غرائب شرك العامة في هذا الباب ما حدثنا به الثقات الأثبات عن حي من الأعراب، حضرت أحدهم الوفاة، فقيل له: قل: لا إله إلا الله. فقال: أين الله؟ قل: يا عمراه! كذا حدث أولئك ذلك سيد الحي بمجمع من أهل المحل على وجه اليقين المشهور عندهم.
ومن ذلك أن حيا من أهل البوادي إذا أرسلوا أنعامهم للمرعى؛ قالوا: في حفظك يا فلان! يعنون ساكن مشهدهم!! وأنهم إذا أرادوا السفر إلى جهة؛ استأذنوه! والعمل في الجواب على سادن المشهد، حتى إنه إذا اشتد المرض برجل من العامة؛ شد رحاله إلى قبر الولي يستجير به أو عنده من الموت.
ومن ذلك أن امرأة كف بصرها، ومات ولدها، فنادت وليها: أما الله؛ فقد صنع ما ترى، ولم يبق إلا حسبك في.

ومن ذلك -وهو من أشهر عجائبهم المعلومة في نواحي من البلدان- شراؤهم الأولاد بزعمهم من الولي بشيء معين، فيبقى ثمنه رسما جاريا، يؤدى كل عام لصندوق الولي، وإن كانت امرأة، فمهرها له، أو نصف مهرها؛ إذ هي مشتراة منه، ولعله يفقد شيء من هذا في بعض النواحي؛ فكم له من أخوات عند التصفح.
ومن ذلك -وهو من طرائفهم الشهيرة أيضا- ترك أشجار ومراع حول المشهد لمكان قربها منه مع الحاجة الشديدة إليها؛ فتبقى على ممر الأزمان سائبة.
ومن عجائبهم ما حدث به جمع من أهل الدين؛ أنه وقع في زيارة بعض المشاهد اجتماع خلق كثير من الرجال والنساء والأطفال، فكان هناك من القبائح ما منه السجود للمعتقد، شاهد ذلك الجمع ما ذكر عيانا، فلعل هذا عبارة موهمة بمنزلة اللغو في اليمين!!".
ثم يقول: "ولو كان المتكلم بهذا في غير مكة شرفها الله تعالى؛ لجوزنا: أنه لم يبلغه، ولم ير شيئا من هذه الضروب التي سردناها أو نظائرها.
ومن ذلك -وهو من غرائب الانحلال من الدين- أن جماعة من العامة خرجوا من مسجد بجوار مشهد، بعد أن صلوا فريضة من المكتوبات، فدخلوا المشهد، فرفعوا وضموا وركعوا إلى جدار القفص.
ومن ذلك -وهو أيضا من طرائف ما يحكى- أن رجلا سأل من

فيه مسكة من عقل، فقال: كيف رأيت الجمع لزيارة الشيخ؟ فأجابه: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات، إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الثلاثة الأيام فريضة، فقال السائل: قد تحملها عنهم الشيخ!
قلت: وباب: "قد تحمل عنهم الشيخ": مصراعاه ما بين بصرى وعدن، قد اتسع خرقه، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد والمشهد، وهو أمر شهير في العامة، ولعل هذا عند هذا المخادع الخائن لنفسه وللناس عبارة موهمة؛ كما قال!!
فقل لي: أي ملة -صان الله ملة الإسلام- لا يمانعها كل ذلك ولا يدافعها؟!
قلت: ولقد أذكرني هذا ما سمعت بعض الأفاضل يحدث به؛ أن رجلين قصدا الطائف من مكة المشرفة، وأحدهم يزعم أنه من أهل العلم، فقال له رفيقه ببديهة الفطرة: أهل الطائف لا يعرفون الله، إنما يعرفون ابن عباس. فأجابه بأن معرفتهم لابن عباس كافية؛ لأنه يعرف الله.
ويضاهيها ما حكاه لنا بعض من جاور بالبلد الحرام؛ أن رجلا كان ببعض المشاهد بمكة، فقال لمن عنده: أريد الذهاب إلى الطواف، فقال له بعض كبرائها: مقامك هنا أكرم.
وما شئت بهذا الطغيان المجاوز!!
وبالله؛ لو ذهبنا ننقب عما يحادون الله به من هذه الجهالات،

وما يجترئ عليه السفهاء هنالك؛ لحصلنا على ما يفوت الطاقة ضبطه، إلا تكلفا -إن كان-، وفي الناس من يخاف الله، ويستحي من معارضة الكتاب والسنة بالسماجة والقحة، وفي الناس من يتحاشى عن الإفراط، وإذا لم تستح، فاصنع ما شئت".
ويقول: "ومن طريف أخبارهم: أن منهم من يمرض فيلازم المشهد، يستجير به من ذلك المرض، ويتوصل إلى زوال ما به من الداء الذي أضناه، وخصوصا إذا كان من نوع المانيخوليا أو أمراض العقل؛ قائلا بلسان الحال والمقال أيضا: (وإذا مرضت فهو يشفين)".
ويقول: "ومنهم من يمكث في المشهد أياما محبوسا بلا صلاة قط، زاعما أنه في حبس الولي وقيده، ولا يطلقه إلا لحاجته، وما في عقله الذي تقوم به الحجة عليه اختلال، وإنما فسدت فطرة الأغلف بطارئ العوائد، حتى كأنه لا يعقل.
ومن طريف أقوالهم في أوليائهم: أنه يضرب من تظلم منه، أو شكي به إليه (بصيغة المبني للمفعول فيهما)، ويعزل الوالي إذا لم يزره، ويهب الولد إذا جومعت المرأة عند مشهده، ويسلب السلاح، ويقيد ويفك الأسرى والمحبسين، ويهدي الضالين، ويجير القوم، ويترك بنادقهم قصبا، وعاقلهم خنثى لا أنثى ولا ذكر، ويعاقب من أخذ من ضريحه ورقة للتبرك بها في الحال، حتى صار في بعض الجهات: أن المرأة لا تدخل عند زوجها حتى تزور الولي، وأن رجلا زعم أن وليا نبه عليه في النوم: أن يبني عليه قبة؛ قال: فبنيت خوفا منه.

قلت: وباب تنبيه الأموات -أي: بإضافة تنبيه إلى فاعله- كباب: تحمل الشيخ الصلاة وغيرها في السعة والشيوع، والله يغلقها كلها بنصر دينه.
ومن عجيب أمرهم: أن امرأة جاءت قبرا، فجعلت تقول: يا سيدي! بعت مالي ورحلت إليك من مسافة كذا، سألتك بالله أن تشفي ولدي، فإني جارة الله وجارتك".
ويقول: "إن القوم قد سحبت عليهم العادات والخيالات، وتعفى في قلوبهم رسوم الفطر والأديان، وجر الشيطان أذياله عليها، ما هم بالمحل الذي يزعمه لهم الخابطون.
ومن أذيال مصيبة المشاهد التي أصيب بها الإسلام وشعائره ما ظهر وانتشر في العامة في جهات كثيرة؛ كما هو معلوم مشاهد: أن المساجد ربما تكون متروكة مهجورة، وفيها من التراب والعيدان والأوساخ وزبل الأنعام وحراق التمباك وغير ذلك ما يجعلها مزابل، ومشاهد الأموات محترمة مكرمة، مجمرة بالظفر والعطور، مفروشة بالسجاد الفاخر، وعلى القبور ستور الحرير الثمينة، وبها الشمعدانات الفضية، ما جعلها مرعية مقامة متحاماة".
وسرد أشياء كثيرة إلى أن قال: "فهذه قطرة سردناها ليعلم الأغبياء ما صار عليه الحال مما لا يحصى كثرة، وجميع سكان البسيطة إلا من أنقذ الله قد مسهم هذا المرض المضني، وعمهم هذا الداء العضال، وإن تفاوتوا في الإيغال والإغراق في هذه الضلالة؛ فكل -إلا من شاء

الله- قد أخذ بحظه، وشارك في أصل المعنى؛ من تعليق أمرهم بسكان القبور في جملة أمرهم، وأما تفاصيلها؛ فغير مقدورة؛ فلقد أحيوا هذه المشاهد بالتردد، والدعاء، والنداء، والعكوف، والمثول، والتأدب، والتوقير، والخضوع... مما لا يحصل بعضه في بيوت الله والصلاة المكتوبة؛ إلا ما لا نسبة بينه وبين ما في عرصات المشاهد؛ بحيث ينتابها، ويهبط إليها، ويحبها، ويسمح بالبذل الكثير لها، ويضيع لأجلها ولده وأهله!!
وكثير من الناس من لا يقوم في حق الله تعالى برائحة من ذلك، ولا يعرف الصلاة ولا المساجد، وهو اللائق بمن سلك تلك السبيل.
ثم يتكلمون بما يناسب حالاتهم هذه؛ من مثل: أكرمنا الشيخ، أو بين لنا إشارة، أو حصل لنا ما نطلب ونجانا مما نهرب، وشفى مريضنا، وأنزل الغيث لنا إذ قصدناه وسألناه".
ويقول: "هذا مذهب عامة المقابريين".
ويقول: "وأما الحاذقون بها؛ فهل أتتك أنباؤهم؟ إنهم يقولون: هؤلاء المقربون هم المخصوصون من الله بالإمداد، والملقى إليهم مقاليد التصرف والتصريف في عالم الإيجاد، ومن حبي بهذه الحبوة؛ بذلنا له محض التأليه والصبوة، وما سألناه ودعوناه إلا أمرا مكن منه، وصرف فيه، وولي نظره وتدبيره بولاية عامة تمكينية. فالسؤال والاستغاثة وما هو من واديهما، هو من ذي أهلية تامة قائمة صالحة لتأهيلنا إياها جميع ما أنكر منا من معاملتها، والواقف بنا على مجرد

التوسل فقط -كما قيل أيضا على عامتنا- هو في القضية عامي أو واهم، وللحقيقة التي نحن بها غير محقق ولا فاهم. انتهى.
فهذه الدسيسة هي -فيما علمنا- روح البحث، وسر المسألة عند حذاقهم السابقين في الصناعة، وقد شافهني بذلك أحد خواصهم الموسومين بالفقه والفطنة في هذا الباب؛ زعما منه أنه قد امتطى صهوة التحقيق، وارتقى ذروة التدقيق، أترى هذا من محاسن الكلام؟! ألا تقول: برأ الله عنه ملة الإسلام وقدسها عن وضر هذا العار والملام؟!".
ثم يقول: "وإذا فقهت هذا؛ انتقلت منه إن شاء الله تعالى إلى فهم ما يؤثر عن قوم ممن يدعي المحبة والقرب والولاية، ودعاويهم الطويلة العريضة المشروحة في مؤلفاتهم ومنظومهم ومنثورهم، وممن شرح عنهم بعضا مما أشرنا إليه ما نقله تقي الدين الفاسي في "تاريخ مكة"، والمحقق الأهدل في "شرح دعاء أبي حربة"، وقبله القاضي إسماعيل بن أبي بكر المقري الشاوري الشرحي الزبيدي الشافعي وقصيدته الرائية مشهورة في هذا المعنى، وغير ما ذكرنا أيضا كثير يفوت حصرهم".
ويقول: "ولقد سمعنا في هذا المقام حكاية شنيعة، وهي: أن بعض كبراء الصوفية ركب البحر ومعه مريده، فهاجت ريح خيف منها، فجعل الأستاذ يقول: يا الله! فطفق المريد يقول كذلك، فكاد يغرق، فأشار إليه الأستاذ أن يهتف باسمه، ففعل، فنجا. وهي مشهورة عند

كثير من الناس، ولا أعرف الآن موضعها فأنقلها بصفتها"( ).
ويقول: "إن هذا شيء لا يختص به الواحد والاثنان، ولا البلدة والبلدتان، ولا القطر ولا القطران، بل عم أمر المشاهد وعبادة الأموات البلاد من أقصاها إلى أقصاها، حتى آل الأمر إلى أن عاد غصن الشرك غضا طريا، ويبلغنا من ذلك الكثير الذي لا تحويه السطور، سوى ما سمعناه وشاهدناه، ونحن ببلد أقل شيء فيها هذا القبيل بحمد الله، بل يكاد يلتحق بالمعدوم بالنظر إلى ما سواها، وإلا؛ فمن سكن بفرس والمخا وصعدة وغيرها من قطرنا هذا خاصة -كيف سواه؟- رأى العجب إن كان قلبه حيا.
وبالجملة؛ فأمر العامة في هذا النحو غريب بالنسبة إلى الإسلام، فإن كل من عرف الحقيقة، ونظر إلى ما صاروا إليه من ذلك؛ وجد المضادة لله وتوحيده فاشية في كثير من أفعالهم وأقوالهم وتقلبهم وتصرفاتهم، والطمع في حصره طمع في محال؛ كضبط الريح والبحر، وهو ظاهر شهير على رءوس الخلائق، وإنما جهل قدره ومنافاته لما دعت إليه الرسل لما تعفت رسوم شرعهم عند الأكثرين، ولأنسهم بكثير من أضدادها، وبضدها تتبين الأشياء".

ويقول: "وما سقنا هذه الكلمات عن العامة إلا على سبيل المثال".
ويذكر أن هذا واقع وكثير جدا في البلدان الإسلامية، وتركت شيئا كثيرا وهاما من وصفه وأخباره خش

أبو عائشة إسماعيل خيرى
Admin

المساهمات : 244
تاريخ التسجيل : 21/08/2012
العمر : 50
الموقع : منتديات أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://asdf.sudanforums.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى