الجزء الرابع : من أعلام المجددين الإمام أحمد بن حنبل و شيخ الإسلام بن تيمية و شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب تأليف العلامة صالح الفوزان نقلا عن شبكة البيضاء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجزء الرابع : من أعلام المجددين الإمام أحمد بن حنبل و شيخ الإسلام بن تيمية و شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب تأليف العلامة صالح الفوزان نقلا عن شبكة البيضاء

مُساهمة  أبو عائشة إسماعيل خيرى في الجمعة يناير 04, 2013 3:09 pm

(ب) اتهم الشيخ بأنه ينسب إلى السلف وصف الله بالتحتية حيث قال: يقرر ابن تيمية أن مذهب السلف هو إثبات كل ما جاء في القرآن الكريم من فوقية وتحتية، وهذا كذب على القرآن الكريم وعلى الشيخ –فإنه لم يرد في القرآن ذكر التحتية في حق الله تعالى الله عن ذلك، لأنها لا تليق به. ولم يقل الشيخ ذلك ولم ينسبه إلى السلف، لكنه التخبط الأعمى والتخليط العجيب من أبي زهرة.
(ج) اتهم القرآن بأنه جاء بالتشبية والتجسيم، وما لا يليق بالله تعالى، واتهم السلف الصالح بأنهم لا يعتقدون ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من وصف الله بالفوقية والاستواء على العرش، وأن له يدا ووجهاً وأنه يحب ويبغض، لأن ذلك بزعمه يؤدي إلى التشبيه والجسمية، وهذا معناه أن القرآن جاء بالباطل وأن السلف يخالفون الكتاب والسنة في أهم الأمور وهو العقيدة فماذا بقي بعد ذلك. وما الذي يوافقون فيه الكتاب والسنة، ولم يذكر دليلاً على ذلك إلا ما نقله من كلام ابن الجوزي، وكلام ابن الجوزي لا يحتج به من ناحيتين:

1) أنه معروف باتجاهه المخالف لعقيدة السلف في الصفات وكلام المخالف لا يحتج به على خصمه.
2) أن كلام أئمة السلف ومنهم الإمام أحمد يبطل ما قاله ابن الجوزي وكلامهم موجود –بحمد الله- في كتبهم المتداولة المعروفة التي نقل منها شيخ الإسلام ابن تيمية.

(د) قال أبو زهرة: وكيف لا يؤدي إليهما والإشارة الحسية إليه جائزة –يعني كيف لا يؤدي إثبات ما دل عليه الكتاب والسنة من صفات الله إلى التشبيه والتجسيم، وقد جاء في الحديث أن الله يشار إليه بالأصبع في جهة العلو كما أشار إليه أعلم الخلق به صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع- وهذا بزعم أبي زهرة يؤدي إلى التشبية والتجسيم فهو باطل –وهذا مصادمة للحديث الصحيح بسبب توهم باطل. فإن الإشارة إلى الله سبحانه في جهة العلو ووصفه بما ثبت في الكتاب والسنة في صفات الكمال لا يؤديان إلى التشبيه لأن الله ليس كمثله شيء، فله صفات تخصه لا يشاركه فيها أحد، وأما لفظ التجسيم فهو لفظ محدث لم يرد نفيه ولا إثباته في حق الله تعالى ولم يتكلم فيه السلف، وإنما ورد في الكتاب والسنة تنزيه الله عن التشبيه والتمثيل وهو الذي ينفيه السلف عن الله تعالى.
3- ينسب التفويض إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول في صفحة 195 أن هذا يؤدي عند ابن تيمية إلى أن الأسلم هو التفويض الذي يدعيه وينسبه إلى السلف الصالح فيأخذ الألفاظ بظواهرها الحرفية ويطلقها على معانيها الظاهرة في أصل الدلالة. ولكنه يقرر أنها ليست كالحوادث ويفوض فيما بعد ذلك ولا يفسر، ويقول إن محاولة التفسير زيغ، فابن تيمية يعتقد أنه بهذا يجمع بين التفسير والتفويض، فهو يفسر بالمعنى الظاهر وينزه عن الحوادث ويفوض في الكيف والوصف، انتهى المقصود من كلامه وهو كما ترى فيه من الخلط والركاكة والكذب على الشيخ الشيء الكثير –وهو بين أمرين: إما أنه لم يفهم كلام الشيخ... وإما أنه يفهمه لكنه يحاول الالتواء والتلبيس، فإن الشيخ رحمه الله يقرر في سائر كتبه أن مذهب السلف وهو المذهب الذي يعتقده ويدين الله به، وكل مريد للحق يعتقده ويدين به: أن نصوص الصفات تجري على ظواهرها وتفسر بمعناها الذي تدل عليها ألفاظها من غير تأويل ولا تحريف، وأما كيفيتها فيجب تفويضها إلى الله سبحانه لأنه لا يعلمها إلا هو، وهذا هو الذي يقرره علماء السلف في كتبهم، وفيما يروي عنهم بالأسانيد الصحيحة، أن المعنى معلوم والكيف مجهول في كل الصفات.
فالتفويض إنما هو للكيفية، وأما المعاني فهي معلومة مفسرة لا تفويض فيها ولا غموض. ولا يلزم من إثبات صفات الله بالمعاني التي دلت عليها النصوص تشبيه الله بخلقه، لأن لله صفات تخصه وتليق به، وللمخلوقين صفات تخصهم وتليق بهم ولا يلزم من الاشتراك في المعنى الكلي الموجود في الأذهان بين صفات الله وصفات خلقه الاشتراك في الحقيقة والكيفية الخارجية، وقد أثبت الله لنفسه تلك الصفات ونفى عنه نفسه المماثلة والمشابهة للمخلوقات، فقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فأثبت له السمع والبصر، ونفى عنه أن يماثله شيء، وهكذا سائر الصفات، فدل على أن إثبات الصفات لا يلزم منه التشبيه. كما يقوله أبو زهرة وأضرابه –ومن العجب أن يحتج على بطلان ما ذكره شيخ الإسلام من إثبات صفات الله على ما يليق به سبحانه بمخالفة الغزالي والماتوريدي وابن الجوزي له. ويرجح مذهبهم فيقول: ولذلك نحن نرجح منهاج الماتوريدي، ومنهاج ابن الجوزي ومنهاج الغزالي.
هكذا يرغب أبو زهرة عن مذهب السلف إلى مذهب هؤلاء (وللناس فيما يعشقون مذاهب) لكنه استبدل الباطل بالحق، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير (بئس للظالمين بدلاً).
4- ينسب القول بالمجاز إلى الصحابة فيقول إن الصحابة كانوا يفسرون بالمجاز إن تعذر إطلاق الحقيقة. كما يفسرون بالحقيقة في ذاتها، هكذا قال في حق الصحابة، ينسب إليهم القول بالمجاز في تفسير كلام الله وأنهم يتركون الحقيقة وكأنه بهذا يريد أن ينسب إلى الصحابة نفي الصفات وحمل نصوصها على خلاف الحقيقة. وكفى بهذا تقولاً على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون دليل ولا برهان، لكنه الهوى والانتصار للباطل.
وهذا تجاوز من اتهام ابن تيمية إلى اتهام الصحابة بما هم بريئون منه، فإنه لم يعرف المجاز إلا متأخراً أحدثه الأعاجم الذين ليسوا حجة في اللغة والتفسير.
5- في صفحة 199 نسب إلى الشيخ القول بأن الله لا ييسر الإنسان لفعل الشر. حيث قال: وبهذا يقرر ابن تيمية ثلاثة أمور –ثالثها: أنه الله تعالى ييسر فعل الخير ويرضاه ويحبه ولا ييسر فعل الشر ولا يحبه وهو في هذا يفترق عن المعتزله كذا قال.

وهذا كذب على الشيخ، لأنه كغيره من أئمة الهدى يرون أن الله قدر الخير والشر، وأنه لا يجري في ملكه ما لا يريد –فالشر يجري على العبد بسبب تصرفاته السيئة وهو من قبل الله تعالى قدراً وبإرادته الكونية –قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى.فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له".
6- في صفحة 199-200 يقول: أما ابن تيمية فيرى أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة. فالله سبحانه وتعالى يريد الطاعات ويأمر بها، ولا يريد المعاصي التي تقع من بني آدم وينهى عنها، وإرادته للمعاصي من ناحية إرادة أسبابها. انتهى...
وأقول: في هذا الذي نسبه إلى الشيخ إجمال ينبغي تفصيله، فقوله لا تلازم بين الأمر والإرادة.
الصواب: أن يقال لا تلازم بين الأمر الشرعي والإرادة الكونية. فقد يأمر شرعاً بما لا يريده كوناً. مثل الإيمان من الكافر. وقد يريد كونا ما لا يأمر به شرعاً، مثل الكفر والمعاصي، وذلك لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية وإرادة شرعية، والأمر ينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي. فالإرادة الكونية والأمر الكوني ليس من لازمهما المحبة والرضا، وأما الإرادة الشرعية والأمر الشرعي فمن لازمهما المحبة والرضا، وهذا التقسيم هو الذي يتمشى مع منهج الشيخ الذي هو منهج السلف المبني على أدلة الكتاب والسنة فالله لا يأمر بالمعاصي ولا يريدها ولا يرضاها شرعاً، لكنه أرادها وأمر بها كوناً وقدراً، لأنه لا يقع في ملكه ما لا يريد، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ

نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} أي أمرناهم بذلك كوناً وقدراً. وقال تعالى: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً}، {إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
7- في صفحة 201 يختم أبو زهرة مباحثه حول القدر بقوله: (هذه نظرات ابن تيمية في مسائل الجبر والاختيار وتعليل أفعال الله سبحانه وتعالى، وهو يسند دائماً ما يراه إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين. انتهى. وكأنه بهذا التعبير يتهم الشيخ في أنه ينسب إلى السلف بمجرد رأيه ما ليس من مذهبهم، وهذه التهمة يبطلها الواقع. فإن الشيخ رحمه الله لم ينسب إلى السلف إلا ما هو موجود في كتبهم وما ثبتت روايته عنهم، والشيخ أتقى لله من أن يتقول على السلف ما لم يقولوه، لكن أبا زهرة لم يراجع كتب الشيخ أو أنه يتعمد التلبيس.
8- في الصحفات: 202-206 لما ذكر كلام الشيخ في منع التوسل بالأموات والاستغاثة بهم ومنع زيارة القبور لقصد التبرك بها وطلب الحاجات من الموتى ومنع السفر لزيارتها، قال بعد ذلك: ولقد خالف ابن تيمية بقوله هذا جمهور المسلمين، بل تحداهم في عنف بالنسبة لزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم والنذر لها، ونحن نوافق إلى حدّ ما على قوله في زيارة قبور الصالحين والنذر لها، ولكن نخالفه مخالفة تامة في زيارة الروضة الشريقة، وذلك لأن الأساس الذي بني عليه منع زيارة الروضة الشريفة بقصد التبرك والتيمن هو خشية الوثنية وإن ذلك خوف من غير مخاف، فإنه إذا كان في ذلك تقديس لمحمد فهو تقديس لنبي الوحدانية وتقديس نبي الوحدانية إحياء لها إذ هو تقديس للمعاني التي بعث بها... إلى أن قال: وإن الحديث الذي رواه ابن تيمية وغيره وهو" ألا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، يدل على شرف المسجد الذي دفن بجواره وقد دفن ببيت عائشة الذي كان أقرب بيوت أزواجه إليه، وقد كان متصلاً بالمسجد. وأنه لو أريد منع زيارة قبره لدفن في مكان بعيد كالبقيع. ثم قال: وبعد فإننا نقرر أن التبرك بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم مستحسن، وليس التقرب الذي نقصده عبادة أو قريباً منها إنما التبرك هو التذكر والاعتبار والاستبصار.
انتهى المقصود من كلامه، وهو يدل على ما عنده من جهل وتخليط وتخبط، وأقول في بيان ذلك ما يلي:
(1) قوله: ولقد خالف ابن تيمية بقوله هذا –يعني منع التوسل بالموتى والتبرك بالقبور والاستغاثة بالموتى- خالف جمهور المسلمين.
والجواب: أن الشيخ رحمه الله قد وافق في قوله هذا إجماع المسلمين فلم يخالفه واحد منهم ونعني بالمسلمين أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة ومن تبعهم بإحسان، وإنما خالفه بعض من جاء بعدهم من المخرفين والقبوريين وهؤلاء لا يعتد بخلافهم وليسوا جمهور المسلمين وإن سماهم هو بذلك فالعبرة بالحقائق لا بالتسميات. وإنما هم من الشواذ المنتسبين إلى الإسلام.
(ب) قوله: ونحن نوافق إلى حد ما على قوله في زيارة قبور الصالحين والنذر لها –معناه أنه لا يوافق موافقة تامة على منع زيارة قبور الصالحين للتبرك بها والاستغاثة بأصحابها والنذر لها، وهذا يدل على أنه يسمح بشيء من ذلك مع أنه عبادة لغير الله وشرك أكبر، ولا يخفى ما في هذا من التساهل في شأن الشرك وعدم اهتمامه بالعقيدة.
(جـ) وقوله: ولكن نخالفه مخالفة تامة في زيارة الروضة الشريفة، وذلك لأن الأساس الذي بني عليه منع زيارة الروضة الشريفة بقصد التبرك والتيمن هو خشية الوثنية، وأن ذلك خوف من غير مخاف، فإنه إذا كان في ذلك تقديس لمحمد فهو تقديس لنبي الوحدانية وتقديس نبي الوحدانية إحياء لها.
والجواب عن ذلك أن نقول:
أولاً: الشيخ رحمه الله لا يمنع زيارة الروضة الشريفة بقصد الصلاة فيها فنسبة المنع إليه غير صحيحة. بل هو يرى استحباب ذلك كغيره من علماء المسلمين عملاً بالسنة الصحيحة.
ثانياً: زيارة الروضة الشريفة إنما القصد منها شرعاً هو الصلاة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"، وليس القصد من زيارتها التبرك والتيمن بها وتقديس محمد صلى الله عليه وسلم كما يزعم أبو زهرة، لأن هذا مقصد شركي أو بدعي.
ثالثاً: التقديس قد يكون غلواً ممنوعاً. ومحمد صلى الله عليه وسلم حقه علينا المحبة والمتابعة والعمل بشرعه وترك ما نهى عنه، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن إطرائه وهو المبالغة في مدحه، ولما قال له رجل: "ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً، قل ما شاء الله وحده"، وليس تقديس المخلوق تقديساً لله كما يقول: بل قد يكون شركاً بالله عز وجل إذا تجاوز الحد.
(د) وقوله: إن حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" يدل على شرف المسجد الذي دفن بجواره.. الجواب عنه: أن شرف المسجد النبوي ليس من أجل كون قبر النبي صلى الله عليه وسلم بجواره، فإن فضله ثابت قبل دفن النبي صلى الله عليه وسلم بجواره، لأنه أول مسجد أسس على التقوى ولأنه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة" ولم يقل بعد موتي. والمساجد الثلاثة فضلت على غيرها لكونها مساجد الأنبياء لا من أجل القبور أو مجاروة القبور، بل لأنها أسست على التوحيد والطاعة، لا على الشرك والخرافة.
(هـ) قوله: وقد دفن يعني النبي صلى الله عليه وسلم ببيت عائشة الذي كان أقرب بيوت أزواجه إليه –يعني المسجد- وقد كان متصلاً بالمسجد وأنه لو أريد منع زيارة قبره لدفن في مكان بعيد عن المسجد كالبقيع...
الجواب عنه:
أولاً: أن هذا كلام من لا يعرف ما جاء في السنة من الأحاديث الموضحة لملابسات دفنه صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها وما هو القصد من ذلك –فإنه صلى الله عليه وسلم لما مرض استأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها لمحبته لها ومحبة قربها منه وتمريضها له، فأذن له في ذلك، ولما توفي صلى الله عليه وسلم دفن في المكان الذي توفي فيه. لأن الأنبياء يدفنون حيث يموتون. كما جاء في الحديث، والقصد من ذلك خشية أن يفتتن بقبره صلى الله عليه وسلم لو دفن في مكان بارز فيتخذ مسجداً وعيداً مكانياً، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحذر من ذلك فيقول: "لا تتخذوا قبري عيداً" ويقول: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد"، وقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها. فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً". هذا هو القصد من دفنه صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة. وهو حماية التوحيد وحماية قبره أن يتخذ مسجداً، وليس القصد ما توهمه الخرافيون، أنه دفن في بيت عائشة لأجل القرب من المسجد والتبرك بقبره صلى الله عليه وسلم، فقد كان يحذر من اتخاذ القبور مساجد والتبرك بها، ومن بناء المساجد على القبور، لأن هذا من وسائل الشرك. فدفنه صلى الله عليه وسلم في بيته لمنع هذه الأشياء أن تمارس عند قبره.
ثانياً: زيارة قبره صلى الله عليه وسلم الزيارة الشرعية ليست ممنوعة. بل هي مستحبة كزيارة قبر غيره إذا كان ذلك بدون سفر وكان القصد السلام عليه والدعاء له صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: قوله: وأنه لو أريد منع زيارة قبره لدفن في مكان بعيد عن المسجد كالبقيع. أقول معنى هذا الكلام أنه صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة لأجل أن يزار ويتبرك بقبره على حد قوله. وهذا فهم يخالف ما جاء في الحديث الصحيح الذي تقدم ذكره. وهو أنه دفن في بيته لمنع أن يتخذ قبره مسجداً، ثم إن دفنه في البقيع أمكن لزيارة قبره والتبرك به من دفنه في بيته. عكس ما يقوله أبو زهرة: فلو كان ما يقوله مشروعاً لدفن في البقيع لتمكين الناس من هذه المقاصد التي قالها.
(و) قوله: وإنا لنعجب من استنكاره لزيارة الروضة للتيمن والاستئناس مع ما رواه عن الأئمة الأعلام من تسليمهم على النبي صلى الله عليه وسلم كلما مروا بقبره الشريف، وكانوا يذهبون إليه كلما همو بسفر أو أقبلوا من سفر.

الجواب عنه أن نقول:
أولاً: لا عجب فيما ذكرت لأن استنكار ذلك هو الحق، فإن زيارة الروضة للتبرك والتيمن مقصد شركي بدعي، لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما شرع زيارتها للصلاة فيها وعبادة الله فيها.
ثانياً: وأما قوله إن الأئمة الأعلام يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم كلما مروا بقبره أو هموا بسفرة. فهو قول لا أصل له ولا دليل عليه، ولم يروه الشيخ عنهم وإنما روى عنهم خلافه، وهو أنهم لم يكونوا يترددون على قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلما دخلوا المسجد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فقال: "لا تتخذوا قبري عيداً" أي لا تترددوا عليه وتجتمعوا حوله. وإنما كانوا يسلمون عليه إذا قدموا من سفر، كما كان ابن عمر يفعل ذلك إذا قدم من سفر ولا يزيد على قوله: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبي، ثم ينصرف، ثم ما علاقة التسليم على الرسول بالروضة، لأن الروضة في المسجد وقبر الرسول كان خارج مسجده في عهد الصحابة رضي الله عنهم.
(ز) وقوله: وبعد: فإننا نقرر أن التبرك بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم مستحسن، وليس التبرك الذي نقصده عبادة أو قريباً منها، إنما التبرك هو التذكر والاعتبار، والاستبصار. والجواب عن ذلك أن نقول: أولا التقرب بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من البقاع والأشجار والأحجار أمر مستقبح وليس مستحسناً إلا عند الجهال والقبوريين، وهو شرك بالله لكونه تعلق على غير الله. وطلب البركة من غيره. ولما رأى بعض الصحابة وكانوا حدثاء عهد بالإسلام أن المشركين يتبركون بشجرة، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم شجرة مثلها يتبركون بها استنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك استنكاراً شديداً، وقال: "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون"، فدل هذا الحديث على أن من تبرك بشجرة أو حجر أو قبر أو بقعة فقد أشرك بالله واتخذ المتبرك به إلها، هذا إن كان يقصد التبرك بذات القبر.
ثانياً: وأما قوله: وليس التبرك الذي نقصده عبادة أو قريباً منها، إنما التبرك هو التذكر والاعتبار والاستبصار.
فالجواب عنه: أن هذا من جهله بمعنى العبادة وعدم تفريقه بين التبرك وبين التذكر والاعتبار –أو هو يتجاهل ذلك من أجل التلبيس على الناس، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال- ومنها الرغبة والرهبة والرجاء، ومنها التبرك وهو طلب البركة، ويكون بأسمائه سبحانه. فالتبرك بغير الله شرك، إلا التبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم ووضوئه، فهذا خاص به صلى الله عليه وسلم لأن الله جعله مباركاً. ولا يمكن ذلك إلا في حال حياته ووجوده. ولم يكن الصحابة يتبركون بمنبره ولا بقبره ولا حجرته، وهم خير القرون وأعلم الأمة بما يحل وما يحرم فلو كان جائزاً لفعلوه. وبعد أن انتهينا من رد ما نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية ننتقل إلى رد ما نسبه إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب فنقول:
ثانياً: ما نسبه إلى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
1- اعتبر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نحلة ومذهباً محدثاً مستقلاً أطلق عليه لفظ الوهابية وعده من جملة المذاهب الضالة التي أدرجها تحت عنوان مذاهب حديثة وهي الوهابية والبهائية والقاديانية.
ومن المعلوم وواقع دعوة الشيخ أنه ليس صاحب مذهب جديد، وإنما هو في العقيدة على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ولم يستقل ولا بمسألة واحدة عن هؤلاء. فكيف يعتبره أبو زهرة صاحب مذهب جديد ويدرجه ضمن المذاهب الضالة الكفرية والنحل الفاسدة قاتل الله الجهل والهوى والتقليد الأعمى وإذا كان هو يعيب على الوهابية ما توهمه من تكفيرهم للناس فكيف يبيح لنفسه هذا الذي عابه على غيره؟
2- ثم قال: ومنشيء الوهابية هو محمد بن عبد الوهاب. وقد درس مؤلفات ابن تيمية فراقت في نظره وتعمق فيها وأخرجها من حيز النظر إلى حيز العمل.
هكذا قال عن مرتبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلمية أنه لم يدرس إلا مؤلفات ابن تيمية، وكأنه لم يقرأ ترجمة الشيخ وسيرته ولم يعرف شيئاً عن تحصيله العلمي، أو أنه عرف ذلك وكتمه بقصد التقليل من شأنه والتغرير بمن لم يعرف شيئاً عن الشيخ، ولكن هذا لا يستر الحقيقة، ولا يحجب الشمس في رابعة النهار، فقد كتب المنصفون عن الشيخ رحمه الله مؤلفات كثيرة، انتشرت في الأقطار وعرفها الخاص والعام، وأنه رحمه الله تعمق في دراسة الفقه والتفسير والحديث والأصول، وكتب العقيدة التي من جملتها مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. وقد تخرج على أيدي علماء أفذاذ، وأئمة كبار في مختلف الفنون في بلاد نجد والحجاز والإحساء والبصرة.

وقد أجازوه في مروياتهم وعلومهم وقد ناظر ودرس وأفتى وألف في الفقه والحديث والعقيدة، حتى نال إعجاب من اجتمع به أو استمع إلى دروسه ومناظراته أو قرأ شيئاً من مؤلفاته، ومؤلفاته تدل على سعة أفقه وإدراكه في علوم الشريعة وسعة اطلاعه وفهمه. ولم يقتصر فيما ذكر في تلك المؤلفات على كتب ابن تيمية –كما يظن هذا الجاهل أو المتجاهل- بل كان ينقل آراء الأئمة الكبار في الفقه والتفسير والحديث، مما يدل على تبحره في العلوم وعمق فهمه ونافذ بصيرته. وها هي كتبه المطبوعة المتداولة شاهدة بذلك –والحمد لله. ولم يكن رحمه الله يأخذ من آراء شيخ الإسلام ابن تيمية ولا من آراء غيره إلا ما ترجح لديه بالدليل- بل لقد خالف شيخ الإسلام في بعض الآراء الفقهية.
3- ثم قال عمن أسماهم بالوهابية: وأنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئاً عما جاء به ابن تيمية ولكنهم شددوا فيها أكثر مما تشدد ورتبوا أموراً علمية لم يكن قد تعرض لها ابن تيمية لأنها لم تشتهر في عهده ويتلخص ذلك فيما يأتي:
(1) لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإسلام في القرآن والسنة، وكما ذكر ابن تيمية، بل أرادوا أن تكون العبادات أيضاً غير خارجة على نطاق الإسلام فيلتزم المسلمون ما التزم1، ولذا حرموا الدخان وشددوا في التحريم حتى أن العامة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك، فكانوا يشبهون الخوارج الذين كانوا يكفرون مرتكب الذنب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا قال والعبارة ركيكة متناقضة.

(2) وكانوا في أول أمرهم يحرمون على أنفسهم القهوة وما يماثلها، ولكن يظهر أنهم تساهلوا فيها فيما بعد.
(3) إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم، باعتبار أنهم يحاربون البدع، وهي منكر تجب محاربته ويجب الأخذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(4) أنها كانت كلما مكن لها من قرية أو مدينة أتت على الأضرحة هدماً وتخريباً.
(5) أنهم تعلقوا بأمور صغيرة ليس فيها وثنية ولا ما يؤدي إلى وثنية، وأعلنوا استنكارها مثل التصوير الفوتوغرافي، ولذلك وجدنا ذلك في فتاواهم ورسائلهم التي كتبها علماؤهم.
(6) أنهم توسعوا في معنى البدعة توسعاً غريباً حتى أنهم ليزعمون أن وضع الستائر على الروضة الشريفة أمر بدعي، ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها، إلى أن قال: وإننا لنجد فوق ذلك منهم من يعد قول المسلم: سيدنا محمد بدعة لا تجوز، ويغلون في ذلك غلواً شديداً- إلى أن قال: وإنه يلاحظ أن علماء الوهابيين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل الخطأ، وفي آراء غيرهم الخطأ الذي لا يقبل التصويب. بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريباً من الوثنية –انتهى ما قاله في حق من سماهم الوهابية، ويظهر أنه قد امتلأ صدره غلا وحقداً وغيظاً عليهم فتنفس الصعداء بإفراغ بعض ما عنده –والله سبحانه عند لسان كل قائل وقلبه. {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
وجوابنا عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: قوله: إنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئاً عما جاء به ابن تيمية، معناه أن ابن تيمية في نظره جاء بعقائد ابتدعها من عنده، وأن الوهابية اعتبروه مشرعاً، وقد سبق الجواب عن هذه الفرية وبينا أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يبتدع شيئاً من عنده. بل كان على عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة. لم يستحدث شيئاً من عنده، وإننا نتحدى كل من يقول مثل هذه المقالة الظالمة أن يبرز لنا مسألة واحدة خالف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية من سبقه من سلف الأمة غاية ما في الأمر أنه جدد عقيدة السلف ونشرها وأحياها بعد ما اندرست ونسيها الكثيرون.
ونقول أيضاً: إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة الدعوة لم يقتصروا على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية بل استفادوا منها ومن غيرها من الكتب السليمة المفيدة المتمشية على منهج السلف. يعرف هذا من طالع كتبهم.
الوجه الثاني: أن قوله لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإسلام في القرآن والسنة، فرية عظيمة واتهام خطير لعلماء دعوة التوحيد في نجد بأنهم ابتدعوا عبادات لم يشرعها الله ورسوله، ولكن الله فضحه وبين كذبه حيث لم يجد مثالاً لما قال إلا تحريم الدخان، وهذا مما يدل على جهله، فإن تحريم الدخان ليس من قسم العبادات وإنما هو من قسم الأطعمة والحلال والحرام. وأيضاً فإن تحريم الدخان لم يختص به علماء الدعوة في نجد بل حرمه غيرهم من علماء الأمة لخبثه وضرره. وها هي الآن تقام أنشطة مكثفة للتحذير من شرب الدخان وتوعية الناس بأضراره من قبل المنظمات الصحية العالمية.



وقوله: حتى إن العامة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك، هذه فرية أخرى، ولو صح أن أحداً من العامة حصل منه ذلك، فالعامي ليس بحجة يعاب به أهل العلم. ولكن عوام أهل نجد والحمد لله يعرفون من الحق أكثر مما يعرفه علماء الضلال، يعرفون ما هو الشرك وما هو المحرم الذي لا يعد شركاً بما يقرؤون وما يسمعون من دروس التوحيد، وكتب العقائد الصحيحة.
الوجه الثالث: قوله: كانوا في أول أمرهم يحرمون القهوة وما يماثلها –نقول: هذا كذب ظاهر. ولم يأت بما يثبت ما يقول، وما زال علماء نجد وعامتهم يشربون القهوة في مختلف العصور. وهذه كتبهم وفتاواهم ليس فيها شيء يؤيد ما يقوله. بل فيها ما يكذبه. فإن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله أنكر على من قال بتحريم القهوة ورد عليه. وله في ذلك رسالة مطبوعة مشهورة.
الوجه الرابع: قوله: إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة، بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم باعتبار أنهم يحاربون البدع.
أقول: أولاً قوله إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة يدل على جهله، فإن الدعوة المجردة لا تكفي. مع القدرة على مجاهدة أعداء الإسلام، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالدعوة والجهاد في سبيل الله.
ثانياً: قوله إنهم حملوا السيف لمحاربة من خالفهم –هذا كذب عليهم، فإنه لم يحاربوا خصومهم لمجرد مخالفتهم. بل حاربوهم لأحد

أمرين: إما للدفاع عن أنفسهم إذا اعتدى عليهم أحد، وإما لأجل إزالة الشرك إذا احتاجت إزالته إلى قتال، وتاريخ غزواتهم شاهد بذلك، وهو مطبوع متداول في أكثر من كتاب.
الوجه الخامس: قوله إنها كانت كلما مكن لها من قرية أو مدينة أتت على الأضرحة هدماً وتخريباً.
أقول هذا من فضائلهم وإن عده هو وأضرابه من معائبهم. لأنهم ينفذون بذلك وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لعلي رضي الله عنه: "لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته" فأي عيب في ذلك إذا أزالوا مظاهر الوثنية. وعملوا بالسنة النبوية. ولكن أهل الجهل والضلال لا يعلمون فيعتقدون الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، والمنكر معروفاً والمعروف منكراً، وقد تكاثرت الأدلة على تحريم البناء على القبور لأن ذلك من وسائل الشرك، فلا بد من هدم الأضرحة وإزالة مظاهر الوثنية وإن غضب أبو زهرة وأضرابه ممن يرون بقاء الأضرحة التي هي منابت الوثنية وأوكارها.
الوجه السادس: قوله: إنهم تعلقوا بأمور صغيرة. ثم مثل لذلك بتحريم التصوير الفوتوغرافي.
والجواب عن ذلك أولاً: أن التصوير ليس من الأمور الصغيرة بل هو من كبائر الذنوب. للأحاديث الصحيحة في النهي عنه والتحذير منه. ولعن المصورين والإخبار بأنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة من غير تفريق بين التصوير الفوتوغرافي وغيره –ومن فرق فعليه الدليل. والمحذور في التصوير والتعليل الذي حرم من أجله متحققان في جميع أنواع الصور فوتوغرافية أو غيرها.

وثانياً: قوله إن التصوير لا يؤدي إلى وثنية قول مردود لأن التصوير من أعظم الوسائل التي تؤدي إلى الوثنية، كما حصل لقوم نوح لما صوروا الصالحين وعلقوا صورهم على مجالسهم وآل بهم الأمر إلى أن عبدوا تلك الصور- كما ورد ذلك في صحيح البخاري وغيره عند تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً}.
الوجه السابع: قوله: إنهم توسعوا في معنى البدعة توسعاً غريباً حتى أنهم ليزعمون أن وضع ستائر على الروضة الشريفة أمر بدعي ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها.
والجواب: عن ذلك أن نقول:
أولاً: هو لا يدري ما هي الروضة الشريفة فيظن أنها الحجرة النبوية –وليس الأمر كذلك فالروضة في المسجد. وهي ما بين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وبيته، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"، والحجرة النبوية خارج الروضة، وكانت خارج المسجد قبل التوسعة.
ثانياً: الروضة لا يمكن وضع ستائر عليها ولا يتصور وإنما يقصد الحجرة النبوية يريد أن تجعل مثل الأضرحة القبورية فتجعل عليها الستور كما على الأضرحة وهذا لا يجوز.
أولاً: لأنه لم يكن من عمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة، فلم يكن عليها ستائر في وقتهم. وثانياً: لأنه وسيلة إلى الشرك، بل ستر سائر الحيطان إسراف لا ينبغي فعله قال في المغني (7/9) غير الكعبة المشرفة.

(فأما ستر الحيطان بستور غير مصورة فإن كان لحاجة من وقاية حر أو برد فلا بأس به. لأنه يستعمله في حاجته فأشبه الستر على الباب وما يلبسه على بدنه –وإن كان لغير حاجة فهو مكروه وعذر في الرجوع عن الدعوة (يعني إلى الوليمة) وترك الإجابة. بدليل ما روى سالم بن عبد الله بن عمر قال: أعرست في عهد أبي أيوب فآذن أبي الناس فكان أبو أيوب فيمن آذن وقد ستروا بيتي بخباء أخضر. فأقبل أبو أيوب مسرعاً فاطلع فرأى البيت مستتراً بخباء أخضر. فقال: يا عبد الله أتسترون الجدر، فقال أبي –واستحيا- غلبتنا النساء يا أبا أيوب، فقال: من خشيت أن يغلبنه فلم أخش أن يغلبنك- ثم قال: لا أطعم لكم طعاماً، ولا أدخل لكم بيتاً. ثم خرج. رواه الأثرم.
وروي عن عبد الله ابن يزيد الخطمي أنه دعى إلى طعام فرأى البيت منجداً فقعد خارجاً وبكى. قيل له: ما يبكيك- قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد رقع بردة له بقطعة أدم فقال: تطالعت عليكم الدنيا –ثلاثاً- ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى. وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة.
قال عبد الله: أفلا أبكي وقد بقيت حتى رأيتكم تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة. وقد روى الخلال بإسناده عن ابن عباس وعلي بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تستر الجدر، وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا فيما رزقنا أن نستر الجدر. انتهى.
الوجه الثامن: قوله: وإنا لنجد فوق ذلك منهم من يعد قول المسلم سيدنا محمد بدعة، لا تجوز ويغلون في ذلك غلواً شديداً.

والجواب: عن ذلك أن نقول: هذا كذب من القول، فعلماء الدعوة يثبتون ما ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم من الصفات الكريمة ومنها أنهم يعتقدون أنه سيد ولد آدم وأفضل الخلق على الإطلاق، لكنهم يمنعون الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" ويمنعون الابتداع. ومن ذلك أن يقال سيدنا في المواطن التي لم يرد قول ذلك فيها، كالآذان والإقامة والتشهد في الصلاة، وكذا رفع الأصوات قبل الآذان يقول: اللهم صل وسلم على سيدنا رسول الله أو بعد أداء الصلوات كما يفعله المبتدعة بأصوات جماعية، وهذا هو الذي أظنه يقصده في كلامه –حيث يراه يفعل عندهم فظنه مشروعاً. وهذا هو الذي ينكره علماء الدعوة في المملكة العربية السعودية وينكره غيرهم من أهل التحقيق والعمل بالسنة وترك البدعة في كل مكان –لأنه بدعة وكل بدعة ضلالة، وغلو في حقه صلى الله عليه وسلم والغلو ممنوع. أما قول سيدنا رسول الله في غير مواطن البدعة فعلماؤنا لا ينكرونه بل يعتقدونه ويقولون هو سيدنا وإمامنا صلى الله عليه وسلم.
الوجه التاسع: قوله: وفي سبيل دعوتهم يغلظون في القول حتى إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور.
والجواب عن ذلك أن نقول: أولاً هذا الكلام من جملة الاتهامات التي لا حقيقة لها –وهذه كتب علمائنا ورسائلهم والحمد لله ليس فيها تغليظ إلا فيما يشرع فيه التغليظ وليس فيها تنفير. وإنما فيها الدعوة إلى الله بالبصيرة والحكمة والموعظة الحسنة وكتبهم في ذلك مطبوعة ومتداولة ومنتشرة وكل من اتصل بهم فإنه يثني عليهم، وقد كتب المنصفون عنهم الشيء الكثير في تاريخهم الماضي والحاضر من


حسن السياسة وصدق المعاملة والوفاء بالعهود والرفق بالمسلمين. وأكبر شاهد على ذلك من يفد إلى مكة المشرفة للحج والعمرة كل عام وما يشاهدونه من العناية بخدمة الحجيج وبذل الجهود في توفير راحتهم مما أطلق الألسنة والأقلام بالثناء عليهم وعلى حكومتهم وكذلك من يفدون إلى المملكة للعمل فيها يشهد أكثرهم بذلك.
ثانياً: وأما قوله: حتى أن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور، فهو من أعظم الكذب وخلاف الواقع. فإن الدعوة التي قاموا بها من عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إلى هذا العهد هي الدعوة إلى الإسلام وإخلاص التوحيد والنهي عن الشرك والبدع والخرافات وقد لاقت هذه الدعوة قبولاً في أرجاء العالم وانتشرت انتشاراً واسعاً في كثير من الأقطار، وما هو على صعيد الواقع الآن أكبر شاهد وأعظم دليل على ما ذكرنا. ويتمثل ذلك فيما تبذله الحكومة السعودية أدام الله بقاءها وسدد خطاها بتوجيه من علمائها ورغبة من حكامها بفتح الجامعات الإسلامية التي تخرج الأفواج الكثيرة من أبناء العالم الإسلامي على حسابها. ويتمثل ذلك أيضاً في إرسال الدعاة إلى الله في مختلف أرجاء العالم. وفي توزيع الكتب المفيدة وبذل المعونات السخية للمؤسسات الإسلامية. ومد يد العون للمعوزين في العالم الإسلامي. وإقامة المؤتمرات والندوات وبناء المساجد والمراكز الإسلامية لتبصير المسلمين بدينهم. مما كان له أعظم الأثر والقبول الحسن –والحمد لله- وهذا واقع مشاهد. وهو يبطل قول هذا الحاقد:
إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور- لكن كما قال الشاعر:
لي حيلة فيمن ينم
ومالي في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول
فحيلتي فيه قليلة

الوجه العاشر: قوله: وإنه يلاحظ أن علماء الوهابيين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل الخطأ، وفي رأي غيرهم الخطأ الذي لا يقبل التصويب.
والجواب عنه أن نقول: هذا من جنس ما قبله من التهجم الكاذب الذي لا حقيقة له، فهذه كتب علمائنا ومناقشاتهم لخصومهم ليس فيها شيء مما ذكره. بل فيها ما يكذبه من بيان الحق وتشجيع أهله. ورد الباطل بالحجة والبرهان ودعوة أهله إلى الرجوع إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يدعوا لأنفسهم العصمة من الخطأ ويرفضوا ما عند غيرهم من الصواب كما وصمهم بذلك. وهذا إمامهم وكبيرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يقول في إحدى رسائله التي وجهها لخصومه1.
وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي. حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه لا يقول إلا الحق –انتهى- وكلهم والحمد لله على هذا المنهج الذي قاله الشيخ.
الوجه الحادي عشر: قوله بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريباً من الوثنية.
والجواب عنه أن نقول: كلامه هذا يدل على جهله بمعنى الوثنية، فلم يدر أنها تتمثل في تعظيم القبور بالبناء عليها والطواف حولها وطلب الحوائج من أصحابها والاستغاثة لهم. فلذلك استغرب استنكار ذلك واعتباره من الوثنية، وكأنه لم يقرأ ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من استنكار الاستشفاع بالموتى، واتخاذهم أولياء ليقربوا إلى الله زلفى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الدرر السنية 1/32.


ولم يقرأ نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور واتخاذها مساجد ولعن من فعل ذلك– وإذا لم تكن إقامة الأضرحة والطواف حولها وثنية فما هي الوثنية- لكن كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تنقض عرى الإسلام عرورة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" ألم يكن شرك قوم نوح متمثلاً في دعاء الأموات، ألم تكن اللات ضريحاً لرجل صالح كان يَلُتُّ السويق للحاج فلما مات عكفوا عند قبره وطافوا حوله. ولو كان هذا الكلام صادراً عن عامي لا يعرف الحكم لهان الأمر، لأن العامي جاهل وتأثيره على الناس محدود. لكن الذي يؤسفنا أن يكون صادراً عمن يدعي العلم وقد صدرت عنه مؤلفات كثيرة. فهذا قد يكون تأثيره على الناس –خصوصاً- محدودي الثقافة شديداً نظراً لكثرة مؤلفاته وسمعته الواسعة وإحسان الظن به، ولكن الحق سينتصر بإذن الله {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} والعلم لا يقاس بكثرة الاصدرات وإنما يقاس بمدى معرفة الحق من الباطل والهدى من الضلال والعمل بذلك، وإلا فكيف يتصور من مسلم فضلاً من ينتسب إلى العلم أن يتفوه بأن الطواف بالأضرحة ليس من الوثنية، أليس الطواف عبادة. وصرف العبادة لغير الله وثنية وشرك، فالطائف بالأضرحة إن كان قصده التقرب إليها بذلك فلا شك أن هذا شرك أكبر، لأنه تقرب بالعبادة إلى غير الله –وإن كان قصده بالطواف حول الضريح التقرب إلى الله وحده فهذه بدعة ووسيلة إلى الشرك، لأن الله لم يشرع الطواف إلا حول الكعبة المشرفة، ولا يطاف بغيرها على وجه الأرض، هذا وإننا ندعو كل من بلغه شيء من تشويه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو قرأ شيئاً من الكتب التي تروج هذا التشويه أمثال كتب الشيخ محمد أبي زهرة فعليه أن يتثبت وأن يراجع كتب

الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب العلماء الذين جاءوا من بعده وحملوا دعوته ليرى فيها تكذيب تلك الشائعات، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.
وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب علماء الدعوة من بعده ميسورة والحمد لله وهي توزع على أوسع نطاق عن طريق الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ومكاتبها في الداخل والخارج وفي موسم الحج كل سنة، وهي لا تدعو إلى مذهب معين أو نحلة محدثة. وإنما تدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله ومذهب أهل السنة والجماعة ونبذ البدع والخرافات والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته – وسلف الأمة والقرون المفضلة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.




#4
03-Oc

أبو عائشة إسماعيل خيرى
Admin

المساهمات : 244
تاريخ التسجيل : 21/08/2012
العمر : 50
الموقع : منتديات أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://asdf.sudanforums.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى