التحذير من المظاهرات الجزء الثانى نقلا من موقع المحدث شيخنا ربيع بن هادى المدخلى

اذهب الى الأسفل

التحذير من المظاهرات الجزء الثانى نقلا من موقع المحدث شيخنا ربيع بن هادى المدخلى

مُساهمة  أبو عائشة إسماعيل خيرى في الخميس ديسمبر 20, 2012 6:42 pm

2- هناك شيء وأمر مهم نصت عليه الأحاديث الصحيحة الثابتة، وعليه أهل السنة والجماعة وأئمتهم عبر التأريخ الإسلامي.
ألا وهو إذا كان هذا الحاكم جائراً مستأثراً على المسلمين، ويرون منه أموراً منكرة تصدر منه، فإنه بمقتضى هذا المنهج لا يجوز منازعته ولا الخروج عليه، فلماذا يغفل الدكتور هذا الأمر المهم في هذا الوقت الذي تضطرم فيه الفتن؟
3- إن الواجب على العلماء والعقلاء الحِفاظ على نعمة الإسلام والتوحيد في بلاد الحرمين وعلى نعمة الأمن والاستقرار.
واحترام دولة التوحيد والسنة التي تميزت على دول الدنيا كلها بالاعتزاز بالكتاب والسنة والتوحيد، وأقامت مدارسها ومساجدها ومحاكمها على كتاب الله وسنة رسوله ومنهج السلف الصالح.
نسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة، وأن يثبت هذه البلاد حكومة وشعباً على هذا المنهج، وأن يصرف عن الجميع كل سوء.
4- إن العصمة من الكبائر مما خص الله به أنبياءه ورسله.
أما غيرهم من العلماء والحكام وغيرهم فهم غير معصومين، لا من الصغائر ولا من الكبائر ولا من الأخطاء والتقصير في القيام بكل الواجبات، فإذا كان هناك مخالفات وتقصير من ولاة أمور المسلمين -وهذه أمور لم يسلم منها حكام المسلمين بعد الخلافة الراشدة- فباب النصيحة مفتوح بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالتشهير ولا بالإثارات والمظاهرات والمسيرات ولا بإصدار البيانات التي تنطلق من الديمقراطية ومشتقاتها، فإن هذه الأمور لا يقرها ديننا الحنيف؛ لأنها تجر إلى المفاسد والفتن والعواقب الوخيمة.

أما النصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة فالإسلام يأمر بها.

عن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قال: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ"، أخرجه مسلم في"صحيحه" حديث (55)، وأحمد في "مسنده" (4/102)، وأبو داود في "سننه" حديث (4944).
وقال –صلى الله عليه وسلم-: "إن اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثاً وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاَثاً يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وأن تُنَاصِحُوا من ولاه الله أَمْرَكُمْ وَيَسْخَطُ لَكُمْ قِيلَ وقال وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ"، أخرجه مالك في "الموطأ" حديث (1796)، وأحمد في "مسنده" (2/367)، والبخاري في "الأدب المفرد" حديث (442).

أقول: إن مناصحة ولاة أمر المسلمين تتم بالتعاون معهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم ، والصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم وترك الخروج عليه بالسيف إذا ظهر منهم حيف أو سوء العشرة والدعاء لهم بالصلاح وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، هذا ما يقرره العلماء في ضوء المنهج النبوي الرشيد.

ما يستفاد من هذا الحديث :
1- وجوب القيام بعبادة الله على الوجه المطلوب.
2- وجوب الابتعاد عن كل أصناف الشرك صغيره وكبيره.
3- وجوب الاعتصام بحبل الله وهو الإسلام الذي جاء به الرسول محمدr كتاباً وسنة في كل شأن.
4- تحريم التفرق ووجوب وحدة المسلمين على الحق.
5- وجوب مناصحة ولاة أمر المسلمين والتعاون معهم على الحق والبر.
6- تحريم القيل والقال.
7- تحريم سؤال المخلوقين إلا فيما يقدرون عليه في حال الضرورة والأفضل التوكل والصبر.
8- تحريم إضاعة المال.
وعن عياض بن غنم –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "من أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلاَ يُبْدِ له عَلاَنِيَةً وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بيده فَيَخْلُوَ بِهِ فَإِنْ قَبِلَ منه فَذَاكَ وَإِلاَّ كان قد أَدَّى الذي عليه له" ، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (3/403-404)، وابن أبي عاصم في كتاب "السنة" (2/521-522) من ثلاث طرق مدارها على شريح بن عبيد وجبير بن نفير.

وقد درس العلامة الألباني هذه الطرق وصحح الحديث بمجموعها.

أقول: والأمر كذلك.

فيجب على المسلمين عموماً أن يستفيدوا من هذه الأحاديث النبوية التي تتضمن العقائد الصحيحة والآداب والأخلاق الرفيعة.

ويجب عليهم أن يتنـزهوا عن الأخلاق الرذيلة وأن يتنـزهوا عن تقليد أعداء الإسلام في عقائدهم وسياستهم وعاداتهم.

وعلى العلماء أن يقوموا بالنصيحة للحكام في ضوء هذه الأحاديث، فهم الذين يتمكنون من الوصول إليهم، ويسمع لكلامهم القائم على هذه الأحاديث النيرة والقائم على الحكمة.

وعلى طلاب العلم وعامة المسلمين أن يحترموا العلماء الناصحين، فإنهم ورثة الأنبياء، وأن يرجعوا إليهم في المعضلات والأحداث والنوازل، قال تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)، [سورة النحل : 43].

وقال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)، [سورة النساء : 83].
فأولو الأمر والعلماء النابهون الراسخون هم مرجع الأمة عند النوازل وأمور السياسة وحوادث الخوف أو الأمن.
وخوض عامة الشعب في هذه الأمور يؤدي إلى الفوضى والفتن وتفريق الأمة، وذلك مما يفرح أعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين.
قال الدكتور في (ص4): " كما يلحظ أيضا في قوله: "فإن تنازعتم في شيء"، أن التنازع فد يقع بين الحاكم والشعب أو يقع بينه وبين أحد أفراد رعيته خلاف ونزاع في حكم من الأحكام أو موقف من المواقف فالمرجع حينئذ قوله تعالى:" فردوه إلى الله والرسول([2])..." أي إلى كتاب الله وسنة نبيه على القول بتفسير (أولي الأمر) في الآية بأنهمSad الأمراء) دون العلماء: ( فيجوز لعامة الناس منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء المجتهدين فالناس لا ينازعونهم في أحكامهم) بل يرجعون إليهم : "فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، تـفسير الأولوسي 5/66 .".

1- قوله في تفسير الآية: " أن التنازع فد يقع بين الحاكم والشعب...الخ".
أقول: إن التحاكم إلى الله ورسوله عند الاختلاف شامل لجميع المسلمين العلماء والحكام والفِرَق والأفراد والعوام والقبائل.
والاختلاف يقع حتى بين أفاضل العلماء في الفروع، وبين الفِرَق في الأصول، وبين العوام والقبائل في أمور الدنيا غالباً، وعلى الجميع أن يحتكموا إلى الله ورسوله، ومن لا يرضى الاحتكام إلى الله ورسوله في أصول الدين وفروعه فهو على خطر عظيم.
فاقتصار الدكتور على الخلاف بين الحاكم والشعب، أو بينه وبين أحد أفراد رعيته أمر عجيب من جهات.
أ- أنه ضيّع عموم الآية ومقصودها.
ب- لا يجوز للشعب أو للأفراد منازعة الحاكم في منصبه وولايته لأمر المسلمين كما في الأحاديث التي سلفت وإن كان فيه استئثار، أو وقع في أمور ينكرها المسلمون، وهذا منهج أهل السنة والجماعة.
جـ- إذا وقع في خطأ في أمر من أمور الدين فللعلماء –وليس للشعب- أن ينصحوه بالحكمة وفيما بينهم وبينه، ويُبينوا له أنه قد خالف نصاً أو نصوصاً من كتاب الله أو من سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- وأن الحكم لله وللرسول في هذا الأمر وغيره، ولو قام بذلك عالم واحد يكفي، فإن رجع عن خطئه، فالحمد لله، وإن لم يرجع فعلى العلماء وغيرهم الصبر كما مر في الأحاديث التي سلفت، وهذا الصبر فيه طاعة الله وطاعة رسوله –صلى الله عليه وسلم- وفي ذلك الحكمة البالغة والمصلحة العامة وهذا من باب احتمال مفسدة صغرى لدفع مفسدة كبرى.
قال الدكتور سعود الفنيسان في (ص5):
"وأكثر ما يقع الخلاف بين الحاكم وشعبه في سن قوانين قد يراها هو من المباح والمصالح المرسلة وهي في نظر العلماء ليست كذلك. وكلمة(شيء) في الآية نكرة في سياق الشرط تفيد العموم. أي إن تنازعتم في أي شيء قليلا كان أو كثيرا من أمور الدين أو الدنيا فردوه إلى الله ورسوله..

وقال الطوفي الحنبلي في كتابه (الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية2/28) فـ( الأمر في هذه الآية عام مخصوص بما إذا دعوا الناس إلى معصية أو بدعة لا تجوز طاعتهم للحديث:" إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع. وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة حجة لهم ) ا.هـ".

أقول:
1- لا ندري عن أي حاكم وأي شعب تتحدث، ولا ندري عن علماء أي بلد تتحدث، وهل هؤلاء الحكام والشعوب ملتزمون بكتاب الله وسنة الرسول في عقائدهم وعباداتهم وسياساتهم، ولا يوجد الخطأ عندهم وعند حكامهم إلا في هذه القوانين التي يقال فيها: إنها من المباح أو من المصالح المرسلة.
الأولى بالدعاة السياسيين أن يعرفوا قبل كل شيء دعوة الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- وعلى رأسهم خاتم الأنبياء، ألا وهي الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك بالله، فمعظم بلدان المسلمين قائمة على الخرافات والبدع الشركية والعقائد الباطلة المنافية لكتاب الله وسنة رسوله، وحدث عن القبور الكثيرة المعبودة ولا حرج، فأين هؤلاء الدعاة السياسيون، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون وجماعة التبليغ من إنكار هذه المنكرات، بل لا نرى تنظيماتهم تقوم إلا على كواهل الخرافيين والضلّال ومؤاخاة الروافض الغارقين في الضلال وعبادة أهل البيت، برأ الله أهل البيت منهم.
على كل إذا كان البلد حكامه قائمون على كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- كبلاد الحرمين، ورأت من باب المصالح وضع بعض الأنظمة ووقع خطأ في بعضها في نظر العلماء، فهم الذين يتولوا مناصحة ولاة الأمر بحكمة، وفيما بينهم وبينهم، ولا دخل للعوام وهم عامة الشعب في مثل هذه الأمور، قال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)، [سورة النساء : 83].
والذين يدركون هذا ويستنبطونه هم أولو العلم والعقل والرأي السديد الذين يميزون بين الحق والباطل، وبين المصالح والمفاسد، ولا يزج بالشعوب في هذه الأمور، فإن الزج بهم يؤدي إلى الفتن والفوضى والتفرق والتمزق وسفك الدماء كما يفعل الديمقراطيون.
2- كلام الطوفي معقول وواقع، وانظر إليه حيث لم يذكر منازعة الشعوب للحكام، ولم يذكر منازعة هؤلاء الأئمة لولاة الأمور في إمامتهم وإمارتهم، وإنما لم يطيعوهم في البدع والمناكر والمفاسد، وعلى رأس هؤلاء الأئمة الإمام أحمد بن حنبل حينما دعي هو وعلماء الحديث والسنة إلى القول بخلق القرآن في عهد الخلفاء العباسيين المأمون والمعتصم والواثق، فأبوا موافقتهم في هذه البدع الخطيرة.
وقد لقي الإمام أحمد وأهل السنة البلاء الشديد والضرب والسجون ومنع الحقوق والطرد من الوظائف، وكان قلوب العامة معهم، وضد هذا الضلال إلا الجهمية، ومع ذلك لم ينازعوا هؤلاء الخلفاء في الأمر، ولا نادوا بالثورات والمظاهرات، وإنما التزموا الصبر على تلك الأهوال وسوء المعاملات تنفيذاً لتوجيهات رسول الله –صلى الله عليه وسلم- السديدة الرشيدة، ودرءاً للمفاسد التي تسفك فيها الدماء وتنهب فيها الأموال، وتأتي على الأخضر واليابس، وهكذا يكون العلماء الربانيون، وشكرهم أهل السنة في كل زمان ومكان، وساروا على نهجهم.
فهلا دعوتَ الشباب إلى الاقتداء بهؤلاء العلماء في الصبر على أشد أنواع الظلم ما دام الحاكم في دائرة الإسلام؟
ولقد فرَّج الله عنهم بالخليفة العباسي المتوكل، فرفع الله به تلك المحنة الشديدة التي نزلت بأهل السنة وعلمائهم، وأذلَّ الله به الجهمية الضلّال، وارتفعت به راية السنة –رحمه الله-، ورحم الله الإمام أحمد وإخوانه الثابتين على الحق الصابرين على الابتلاء والامتحان.
فعلى الدعاة إلى الله أن يشكروا الله إذ عافاهم من هذه الفتن والمحن ومنَّ عليهم بحكام يحترمون السنة والمنهج النبوي، فإن ابتلاهم بحكام يعرفون منهم وينكرون فعليهم أن يلتزموا المنهج النبوي ومنهج العلماء الذين مرَّ ذكرهم.
ونسأل الله أن يوفق حكومة بلاد الحرمين والشعب السعودي للثبات على الكتاب والسنة، وأن يرزق الحكام البطانات الصالحة التي تدلهم على المعروف وتأمرهم به، وأن يجنبهم بطانات السوء التي تدلهم على الشر وتحضهم عليه، ونسأله تعالى أن يوفق المسلمين وحكامهم للعودة إلى الكتاب والسنة عقيدة ومنهجاً وأخلاقاً وسياسة.

قال الدكتور سعود في (ص5-6):
" الوقفة الخامسة:
هل يجوز لولي الأمر تقييد المباح أو منعه؟
إذا أصدر ولي الأمر تشريعا أو نظاما يمنع فيه المباح أو يقيده بزمن كأن يُـلزم الرعية بأكل أنواع من اللحوم دون بعض أو يأمر بأكل السمك دون الدجاج، أو البقر دون الغنم. أو السفر بالطائرة دون القطار. أو ركوب الدراجة دون السيارة. أو يلزمهم بلباس معين كالشماغ والعقال. أو يمنعهم من الحديث في أمور السياسة والتجمعات و المظاهرات السلمية فيما لا ضرر فيه. إذا قامت لطلب حق أو رفع ظلم. و كل هذه الأمور مباحة لأن الشرع سكت عنها. وهذه الأمور أيضا وفق القاعدة الشرعية استصحاب (البراءة الأصلية قبل ورود دليل الشارع) بأمر أو نهي يرتب عليه ثواب أو عقاب".
التعليق:
أولاً- الحديث في أمور السياسة إذا صدر من الجهال ومن أهل الأهواء والأغراض والفتن يضر بالأمة في دينها ودنياها وأمنها، ويضر بمصالحها.
قال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)، [سورة النساء : 83].
فالكلام في السياسة يرجع فيه إلى ولاة الأمور من الأمراء والعلماء أهل الحل والعقد الذين ينظرون في عواقب الأمور وفي نتائج الكلام وثماره العائدة على الأمة بما ينفعها في دينها ودنياها ويجنبها الأضرار والفتن والتفرق والتمزق.
ثانياً- المظاهرات من شر ما شرعه اليهود والنصارى ومن جذور الديمقراطية المدمرة التي استهدفت الإسلام سياسياً وعقائدياً وأخلاقياً واجتماعياً، ولذا أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية عشرات المليارات لفرضها على المسلمين في بلدانهم.
وجيشت لتحقيق هذه الغاية الجيوش الجرارة والصواريخ والآلات المدمرة.
أرأيت لو كانت من الإسلام أو كان فيها نفع للإسلام والمسلمين أتقوم بكل هذه الجهود؟
مع أن المظاهرات من أعظم أدوات الفساد والإفساد، ومن يقول: إن هناك مظاهرات سلمية فإنه يكابر في واقع معروف ومشاهد ويضحك على البلهاء والمغفلين.
فما من مظاهرة في الدنيا بما في ذلك أوروبا وأمريكا إلا ويقع فيها من الفساد والإفساد والتخريب وتدمير الممتلكات وتحطيم السيارات ونهب المتاجر وسفك الدماء وبث الرعب والخوف ما لا يجيزه عقل ولا شرع، بل يحرمه شرع الله أعظم التحريم، ولا عبرة بالنادر إن حصل.
1- أنها سعي في الأرض بالفساد، (وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ)، [سورة البقرة : 205]، (وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، [سورة المائدة : 64]، (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا)، [سورة الأعراف : 56].
2- أنها تنافي الصبر الذي أمر به الشارع على جور الولاة وقرره علماء السنة غير الخوارج والمعتزلة الذين يرون أن الخروج على الحكام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3- أن فيها من الأضرار ما ينافي قوله -صلى الله عليه وسلم-: " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضرار"، أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/313)، وابن ماجه حديث (2340).
4- أن المظاهرات تدخل دخولاً أولياً في أحاديث الفتن التي أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنها ستحدث في هذه الأمة بعده.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "...تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ من الْفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، قالوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ من الْفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ"، أخرجه مسلم حديث (2867).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أو يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ من الدُّنْيَا"، أخرجه مسلم حديث (118).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ على الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حتى تَصِيرَ على قَلْبَيْنِ على أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ما دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إلا ما أُشْرِبَ من هَوَاهُ"، أخرجه مسلم حديث (144).
وغيرها من الأحاديث في هذا الباب، وفيها أقوى زاجر لأولي الألباب.
5- أنها تدخل في البدع التي ذمها رسول الله ووصفها في خطبة بأنها شر الأمور وأنها ضلال.

ثالثاًً- تقدمت الأحاديث التي تأمر بالصبر على جور الحكام وعند رؤية ما ينكر منهم وظهور الاستئثار منهم، وإن أعطيناهم حقهم ومنعونا حقنا، ولم يدلّنا رسول الله على الأساليب الثورية وعلى المظاهرات سلمية أو غير سلمية، وحرَّم علينا البدع، ومن أخبثها المظاهرات، وهي تحمل في طياتها مفاسد عظمى فكيف يجيزها شرع الله الحكيم؟ ومن أراد أن يعلم مفاسدها وما تؤول إليه من نتائج فليأخذها من الأحداث السابقة والحالية في البلدان التي تجيز المظاهرات والتجمعات السياسية.
والحاصل أن المظاهرات من أخبث وأفسد ما يصادم تلك التوجيهات النبوية الناصحة الرشيدة، ولا يجوز لمسلم أن يخالف هذه التوجيهات العظيمة الصادرة عن الذي لا ينطق عن الهوى ويدَّعي جواز المظاهرات وحالها ما ذكرنا، قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)، [سورة النساء : 65].
وقد ظهر جلياً أن المظاهرات والمسيرات لا تجوز شرعاً، ولو كانت للمطالبة بحق أو رفع ظلم، والذي يدَّعي إباحتها أو وجوبها إما جاهل بالنصوص النبوية أو متجاهل لها، فليتقِ الله.
اللهم اجعلنا من المؤمنين المحكمين لهدي هذا الرسول الصادق الأمين وسيد الناصحين .

قال الدكتور سعود الفنيسان في (ص7):
" وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله- (إن العلماء وجميع الدعاة وأنصار الحق أوصوا بتجنب المسيرات والمظاهرات التي تضر بالدعوة ولا تنفعها وتسبب الفرقة بين المسلمين والفتنة بين الحكام والمحكومين ) مجموع الفتاوى 7/344 .

فسماحته لم يعترض على المظاهرات السلمية وإنما منع المظاهرات غير السلمية وهي التي ينتج منها المفاسد والفتن وهذه حرام ولا شك".

التعليق:

أقول: إن الإمام ابن باز –رحمه الله- عرف ما تنطوي عليه المظاهرات من مفاسد وشرور وأنها تضر ولا تنفع، فقدَّم هذه النصيحة للناس عامة ولأهل الدعوة خاصة.

ولقد جاء بألفاظ عامة لكل أشكال المظاهرات، فلم يخصص، وأطلق، ولم يقيد بالسلمية ولا بالقتالية، فتقييد المظاهرات العامة المطلقة في كلام هذا الإمام بالسلمية تقويل له بما لم يقل ولا يدل عليه كلامه من قريب ولا من بعيد، ولو كان يعتقد الفرق بين المظاهرات السلمية وغير السلمية لفرَّق؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

ومما يؤكد أن الإمام ابن باز لا يفرِّق بين المظاهرة السلمية وغير السلمية كلامه الآتي:

قال –رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (27/162-164) خلال محاضرة له:

"...وعليك باللين والرحمة والرفق. ولما بعث الله موسى وهارون لفرعون ماذا قال لهما، قال سبحانه: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}([3])، فأنت كذلك لعل صاحبك يتذكر أو يخشى، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه))([4])، وهذا وعد عظيم في الرفق ووعيد عظيم في المشقة، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله))([5])، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالرفق فإنه لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه))([6]).
فالواجب على الداعي إلى الله أن يتحمل، وأن يستعمل الأسلوب الحسن الرفيق اللين في دعوته للمسلمين والكفار جميعاً، لا بد من الرفق مع المسلم ومع الكافر ومع الأمير وغيره ولاسيما الأمراء والرؤساء والأعيان، فإنهم يحتاجون إلى المزيد من الرفق والأسلوب الحسن لعلهم يقبلون الحق ويؤثرونه على ما سواه، وهكذا من تأصلت في نفسه البدعة أو المعصية ومضى عليه فيها السنون يحتاج إلى صبر حتى تقتلع البدعة وحتى تزال بالأدلة، وحتى يتبين له شر المعصية وعواقبها الوخيمة، فيقبل منك الحق ويدع المعصية.
فالأسلوب الحسن من أعظم الوسائل لقبول الحق، والأسلوب السيئ العنيف من أخطر الوسائل في رد الحق وعدم قبوله وإثارة القلاقل والظلم والعدوان والمضاربات. ويلحق بهذا الباب ما قد يفعله بعض الناس من المظاهرات التي قد تسبب شراً عظيماً على الدعاة، فالمسيرات في الشوارع والهتافات والمظاهرات ليست هي الطريق للإصلاح والدعوة، فالطريق الصحيح بالزيارة والمكاتبة التي هي أحسن، فتنصح الرئيس والأمير وشيخ القبيلة بهذا الطريق لا بالعنف والمظاهرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة لم يستعمل المظاهرات ولا المسيرات ولم يهدد الناس بتخريب أموالهم واغتيالهم. ولا شك أن هذا الأسلوب يضر الدعوة والدعاة، ويمنع انتشارها ويحمل الرؤساء والكبار على معاداتها ومضادتها بكل ممكن، فهم يريدون الخير بهذا الأسلوب لكن يحصل به ضده، فكون الداعي إلى الله يسلك مسلك الرسل وأتباعهم ولو طالت المدة أولى به من عمل يضر الدعوة ويضايقها، أو يقضي عليها ولا حول ولا قوة إلا بالله"([7]).

فسماحته كما ترى ينصح الداعي إلى الله:
1- أن يستعمل الأسلوب اللين الرفيق في دعوته للمسلمين والكفار جميعاً.
2- وأنه لابد من الرفق مع المسلم والكافر والأمير وغيره.
3- أكدَّ هذا بالحث على الرفق بالأمراء وغيرهم ، فقال: " ولاسيما الأمراء والرؤساء والأعيان، فإنهم يحتاجون إلى المزيد من الرفق والأسلوب الحسن".
4- ويقول: " فالأسلوب الحسن من أعظم الوسائل لقبول الحق".
5- ويقول: " والأسلوب السيئ العنيف من أخطر الوسائل في رد الحق".
وعدّد هذه الوسائل السيئة العنيفة، ومنها المظاهرات، ولم يقيدها بغير السلمية ولا بالسلمية، وذكر أنها قد تسبب شراً عظيماً على الدعاة، ثم قال:
" فالمسيرات في الشوارع والهتافات والمظاهرات ليست هي الطريق للإصلاح والدعوة".
6- بيّن الطريق بأنه يكون بالزيارة والمكاتبة..الخ.
7- ثم أكد بطلان المظاهرات، وأنها لا صلة لها بالإسلام، فقال:
" فالنبي -صلى الله عليه وسلم- مكث في مكة ثلاث عشرة سنة لم يستعمل المظاهرات ولا المسيرات ولم يهدد الناس بتخريب أموالهم واغتيالهم..الخ".
ولو كان يُفرِّق بين المظاهرات السلمية وغير السلمية لما استخدم أسلوبا واحداً في نصائحه، ألا وهو التعميم والإطلاق؛ لأنها كلها شر وبلاء وتخريب وتدمير، ولو كانت في بدايتها سلمية، ولو أدرك الشيخ ابن باز –رحمه الله- ما يجري الآن في المظاهرات من الدماء وإزهاق الألوف المؤلفة من الأرواح وإتلاف الأموال وتعطيل المصالح وتشريد الضعفاء والمساكين لما قال: قد تسبب كذا وكذا ، ولكان كلامه أشد في ذمها وتحريمها وبيان مفاسدها المحققة المؤكدة.
وأرى أنه يجب على الدكتور الاعتذار عن تحميله لكلام الإمام ابن باز ما لم يقصده ولا يدل عليه كلامه من قريب ولا من بعيد.
وعلماء السنة في كل مكان يحرمون المظاهرات ولله الحمد، ومنهم علماء المملكة العربية السعودية، وعلى رأسهم العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي المملكة سابقاً، والعلامة محمد بن صالح العثيمين، وهيئة كبار العلماء وعلى رأسهم مفتي المملكة الحالي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، وفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان وفضيلة الشيخ صالح اللحيدان، ومحدِّث الشام محمد ناصر الدين الألباني، وعلماء السنة في اليمن وعلى رأسهم الشيخ مقبل الوادعي، وعلماء الجزائر وعلى رأسهم الشيخ محمد علي فركوس، رحم الله من مضى منهم، وحفظ الله وثبّت على السنة من بقي منهم، وجنّب المسلمين البدع والفتن ما ظهر منها وما بطن.
يتبع. كتبه
ربيع بن هادي عمير المدخلي
12/4/1432هـ


[1] - إلا من عبوديته لله.
[2] - جاء في مقال الدكتور: "ورسوله".
[3] - سورة طه الآية 44.
[4] - أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر برقم 1828.
[5] - أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق برقم 2592، وأبو داود في كتاب الأدب، باب في الرفق برقم 4809.
[6] - أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق برقم 2592، وأبو داود في كتاب الأدب، باب في الرفق برقم 4809.
[7] - هذا الكلام من محاضرة رائعة، ألقاها في جامعة أم القرى بمكة المكرمة تحت عنوان: "الدعوة إلى الله وأسلوبها المشروع"، وهي محاضرة رائعة في موضوعها وأسلوبها وأدلتها.

أبو عائشة إسماعيل خيرى
Admin

المساهمات : 244
تاريخ التسجيل : 21/08/2012
العمر : 51
الموقع : منتديات أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://asdf.sudanforums.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى